" يونان"لجورج خباز : عندما يُؤجَّل الموت بدفء اللحظة الاخيرة !
قراءة نقدية في فيلم «يونان» تتناول لحظة التحوّل الصامتة التي يصنعها لقاء البطل بالمرأة الألمانية صاحبة النزل، حيث يتحوّل الدفء الإنساني البسيط إلى فعل مقاومة يؤجّل قرار الانتحار ويعيد ربطه بالحياة دون خلاص مباشر.!
كتبت هناء بلال
كان يمشي كمن يسير داخل فكرة لا طريق. البحر لا يعترف بأسئلته وكل شيء من حوله مكتفيا بصمته !
لا يقدّم فيلم يونان نفسه بوصفه تجربة سهلة أو قابلة للاستهلاك السريع، بل يضع المتفرّج منذ مشاهده الأولى أمام اختبار صريح للصبر والانتباه. فنحن أمام عمل ينتمي بوضوح إلى سينما تأملية نادرة في المشهد العربي، سينما لا تعوّل على الحدث ولا تركن إلى المنعطفات الدرامية، بل تراهن على الحالة، وعلى ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
ندرة الحوار كخيار نقدي لا كضعف سردي
من أبرز سمات «يونان» تقشّفه الحاد في الحوار. صمت يرافقه اصوات الطبيعة و عيون شاردة تحكي ألف رواية .
لا يسعى المخرج أمير فخر الدين إلى شرح دوافع الشخصية أو تبرير أفعالها، بل يترك فراغات واسعة، كأن الفيلم يصرّ على أن الفقد لا يمكن صياغته لغويًا. هذا الامتناع عن الكلام ليس عجزًا دراميًا، بل خيارًا نقديًا ينسجم مع موضوع الفيلم نفسه: الاغتراب، والانفصال عن العالم، والعجز عن التواصل.
الحوار هنا لا يُستخدم كأداة توضيح، بل كعنصر نادر، وكل جملة تُقال تُكتسب وزنًا مضاعفًا، فيما الصمت يتحوّل إلى لغة قائمة بذاتها.
الزمن البطيء: مقاومة إيقاع العصر
يعتمد «يونان» إيقاعًا بطيئًا إلى حدّ استفزاز المشاهد أحيانًا. والزمن يبدو وكأنه يتمدد خارج المنطق التجاري للسينما.
هذا البطء لا يهدف إلى الإبهار أو الاستعراض، بل إلى إدخال المشاهد في دوّامة انتظار مشابهة لما تعيشه الشخصية الرئيسية.
هنا، يصبح الزمن عنصرًا نقديًا فالفيلم يرفض منطق السرعة، ويرفض إرضاء المتفرّج، ويضعه في مواجهة مباشرة مع الفراغ.
الشخصية الرئيسية : وجود بلا تفسير
يقدّم جورج خباز أداءً يعتمد على الاقتصاد الجسدي والنظرات المعلّقة. شخصية منير لا تُعرَّف نفسيًا وفق قوالب جاهزة، ولا تُمنح خلفية درامية مشروحة. هو رجل موجود، وحسب. مثقل، صامت، ومعلّق بين الرغبة في الاختفاء والحاجة غير المعلنة إلى سبب للاستمرار.
هذا الغموض المقصود يحوّل الشخصية من “بطل” إلى مرآة، يقرأ فيها كل مشاهد تجربته الخاصة مع الفقد أو المنفى أو العجز عن الانتماء.
يشكّل لقاء منير بالمرأة الألمانية، صاحبة النزل العائلي التي تؤدي دورها هنا شيغولا، إحدى أهم لحظات التحوّل الصامت في فيلم يونان. فهذا اللقاء لا يأتي بوصفه منعطفًا دراميًا واضحًا، ولا يُقدَّم كحدث إنقاذ مباشر، بل كاحتكاك إنساني خافت، بطيء، يكاد لا يُرى، لكنه يزعزع قرارًا كان يبدو نهائيًا: قرار الانتحار.
لا تمارس المرأة أي دور وعظي، ولا تسأل منير عن ألمه، ولا تحاول فهمه أو تفسيره. دفء تعاملها لا يصدر عن شفقة، بل عن بساطة يومية: طعام يُقدَّم بهدوء، نظرة غير متفحّصة، حضور لا يطالب بشيء. هذا الدفء، في سياق الفيلم، يبدو نقيضًا مباشرًا لعنف العالم الخارجي، بل نقيضًا لفكرة النهاية نفسها.
اللقاء بالأم: عودة إلى الواقع لا إلى الخلاص
ذروة الفيلم ليست حدثًا دراميًا تقليديًا، بل لحظة فكرية. حين يلتقي البطل منير بوالدته نضال الأشقر ، التي تحمل ملامح امرأة تعرف ثمن الفكر والخيال، لا تُقدّم له خلاصًا ولا حلًا. تقول له بوضوح إن المبدعين وأهل الفكر يدفعون ضريبة الإلهام غيابًا عن الواقع، وإنى تخفيف الألم لا يكون بالانسحاب، بل بالتعايش.
الجملة القاسية: « تُنسى كأنك لم تكن»، لا تأتي هنا كحكم أخلاقي، بل كتحرير من وهم الخلود. النسيان في «يونان» ليس هزيمة، بل شرط إنساني، وربما ضرورة للاستمرار دون وهم.
الصورة والصوت: الطبيعة كحالة نفسية
تُستخدم الطبيعة في الفيلم لا كخلفية جمالية، بل كامتداد للحالة النفسية. البحر، الضباب، الرياح، والمساحات المفتوحة تُحاكي فراغ الشخصية الداخلي. أما شريط الصوت، فيكاد يخلو من الموسيقى، تاركًا المجال للأصوات الطبيعية كي تؤدي دورًا دراميًا بحتًا.
هذا الخيار يعمّق الطابع التأملي للفيلم، ليدخل المشاهد في دوامة انتظار الحدث المبدل والمخاطر التي سيتجاوزها البطل ليكتشف في الختام انها تجربة حسّية أكثر منها سردية.
«يونان» ليس فيلمًا للجميع، هو عمل واعٍ بندرته، وبمخاطره، وباحتمال أن يُساء فهمه أو يُرفض ويربط بالفئة النخبوية التي يتوجه اليها لكنه في المقابل، يقدّم تجربة سينما شعرية تأملية تحاكي الخيال .
هو فيلم عن الانتظار، عن الحكايات غير المكتملة، وعن أمل خافت لا يَعِد بالخلاص، بل بإمكانية الاستمرار فقط. وفي هذا، تكمن قوته… ومجازه.


