تشتّت الأطفال في الدراسة: كيف نبني ذاكرة أقوى بأساليب علمية وبسيطة؟
تحقيق اجتماعي يسلّط الضوء على أسباب تشتّت الأطفال أثناء المذاكرة، ويكشف بأسلوب علمي مبسّط كيف يمكن تعزيز الذاكرة عبر الكتابة اليدوية، المراجعة الذكية، التركيز، النوم الجيد، والتمارين، لبناء عادات تعلّم صحية وفعّالة.
تعاني كثير من الأمهات من تشتّت أطفالهن أثناء الدراسة ، خصوصًا في ظل الكمّ الكبير من المعلومات التي يُطلب من الطفل حفظها واسترجاعها في وقت لاحق. ومع تصاعد الضغوط الدراسية، بات تحسين الذاكرة حاجة ملحّة، لا رفاهية تربوية.
العلم بدوره حسم الجدل. فبحسب نتائج أبحاث أُجريت خلال العقود الأخيرة، لم تعد الذاكرة قدرًا ثابتًا، بل مهارة يمكن تطويرها وتعزيزها بأساليب مدروسة. وفي هذا السياق، قدّم الطبيب النفسي سكوت شابيرو، المتخصص في علاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، مجموعة من الاستراتيجيات العملية المدعومة علميًا لتحسين الذاكرة لدى الأطفال.
الكتابة
أولى هذه الاستراتيجيات هي الكتابة بخط اليد فالدراسات تؤكد أن تدوين المعلومات يدويًا يفعّل مناطق متعددة في الدماغ مسؤولة عن الحركة والرؤية والفهم، ما يعزّز تثبيت المعلومات. وعلى عكس الكتابة على لوحة المفاتيح، تتطلب الكتابة اليدوية تخطيطًا وتنظيمًا وحركة متنوّعة، وهو ما يساعد الطفل على بناء صور ذهنية أعمق وأكثر ثباتًا. كما أن الطفل أثناء الكتابة لا ينقل المعلومة حرفيًا، بل يعيد صياغتها بلغته الخاصة، ما يرفع مستوى الفهم والاستيعاب.
المراجعة المنتظمة
أما المراجعة المنتظمة، فهي عنصر لا غنى عنه فالتكرار المدروس يساعد على نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى طويلة المدى، لكن بشرط أن يكون تكرارًا نشطًا، قائمًا على التفكير والتفاعل، لا الحفظ الآلي. وتشير الأبحاث إلى أن اختبار الطفل لنفسه عبر أسئلة تدريبية وكتابة ما يتذكّره يُعد من أكثر الطرق فاعلية لترسيخ المعلومات.
ويأتي التركيز في صميم عملية التعلم فالذاكرة تبدأ بترميز المعلومات، وأي تشتيت في هذه المرحلة يضعف عملية الاسترجاع لاحقًا. ورغم شيوع تعدد المهام، إلا أن العلم يثبت أنه عدو الذاكرة الأول. لذلك، فإن تهيئة بيئة هادئة خالية من المشتتات تُعد خطوة أساسية لدعم ذاكرة الطفل.
التعلّم المتباعد
ومن الأساليب الفعّالة أيضًا التعلّم المتباعد فالعقل يحتاج إلى وقت لمعالجة المعلومات، لذا فإن توزيع المذاكرة على جلسات قصيرة ومتكررة عبر عدة أيام، يكون أكثر جدوى من حشر المادة في جلسة واحدة طويلة. عشر دقائق يوميًا على مدار أسبوع، قد تتفوق في نتائجها على ساعات طويلة من المذاكرة المكثفة.
التمارين الرياضية
ولا يمكن إغفال دور التمارين الرياضية ، فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن النشاط البدني المنتظم، وخصوصًا تمارين القلب، يعزز نمو الخلايا العصبية في مراكز الذاكرة، كما يخفف من التوتر والقلق اللذين يعيقان التعلم. الحركة هنا ليست ترفًا، بل شريكًا أساسيًا في بناء ذاكرة صحية.
كما يبرز فن الاستذكار، كأداة ذكية لتسهيل الحفظ، عبر استخدام الاختصارات، القوافي، أو الربط الطريف بين المعلومات. فالذاكرة تميل للاحتفاظ بما هو مختلف وممتع، خصوصًا إذا كان الطفل هو من ابتكر هذا الأسلوب بنفسه.
النوم الجيد
وأخيرًا، يأتي النوم الجيد كعامل حاسم لا يقل أهمية عن المذاكرة نفسها ، فالنوم لا يرسّخ المعلومات فحسب، بل يساعد أيضًا على تعلّم مهارات جديدة. وتشير الدراسات إلى أن الحرمان من النوم بعد التعلم يضعف الذاكرة بشكل ملحوظ، حتى بعد مرور أيام.
في المحصلة، تحسين ذاكرة الطفل لا يتحقق بالضغط أو التوبيخ، بل ببناء عادات ذكية ومتوازنة تجمع بين التنظيم، الحركة، الراحة، والتفاعل الواعي مع المعلومات، فالذاكرة القوية ليست موهبة فطرية فقط، بل نتيجة بيئة داعمة وأساليب تربوية مدروسة.


