من اللعب إلى المسؤولية: ماذا تعلّم القطط أطفالنا من دون أن ننتبه؟

هل وجود القطط في المنازل يؤثر على الصحة النفسية للأطفال؟ تحقيق اجتماعي يسلّط الضوء على العلاقة بين الطفل والحيوان الأليف، فوائدها الخفية، مخاطرها السلوكية، ولماذا يفضّل بعض الأطفال القطط أكثر من غيرها.

يناير 19, 2026 - 12:08
يناير 19, 2026 - 12:14
 0
من اللعب إلى المسؤولية: ماذا تعلّم القطط أطفالنا من دون أن ننتبه؟

 

في كثير من البيوت، لم تعد القطط مجرّد حيوانات أليفة، بل تحوّلت إلى جزء من الحياة اليومية للأطفال، ترافقهم في اللعب والهدوء، وتشاركهم تفاصيل صغيرة تكبر معهم مع الوقت. هذا الحضور المتزايد يطرح أسئلة أبعد من الجانب العاطفي: ماذا يعني وجود قطة في منزل فيه أطفال؟ وهل يترك أثرًا نفسيًا وصحيًا حقيقيًا عليهم؟

القطة… صديق أم لعبة؟

في جولة على عدد من الأسر، يتبيّن أن معظم الأهالي ينظرون إلى القطط كوسيلة لإسعاد أطفالهم وملء أوقاتهم، خصوصًا في البيوت الضيقة أو لدى العائلات التي تبحث عن حيوان سهل العناية. لكن مختصين في سلوك الحيوان يحذّرون من اختزال القطة في صورة “اللعبة”.

ان  الخطوة الأولى لبناء علاقة صحية بين الطفل والحيوان الأليف هي توعية الطفل بأن القطة كائن حي له مشاعر وحدود، وليس دمية يمكن شدّها أو حملها متى شاء. هذا الفهم المبكر يقلّل من احتمالات الصدام، ويمنع سلوكيات شائعة مثل شدّ الذيل أو الأذن، والتي قد تدفع القطة إلى رد فعل دفاعي غير متوقع.

مراقبة العلاقة… ضرورة لا خيار

الأطفال، بطبيعتهم، فضوليون ومندفعون في اللعب، في حين تُعرف القطط بمزاجها المتقلّب وميلها إلى العزلة أحيانًا. هذا التناقض يجعل المراقبة الأبوية ضرورية، خصوصًا في السنوات الأولى.

بحسب مختصين، تعلّم الطفل قراءة إشارات القطة  متى ترغب باللعب ومتى تحتاج إلى الراحة  يساهم في بناء وعي عاطفي مبكر، ويقلّل من حوادث الخدش أو الخوف المتبادل. ومع الوقت، يبدأ الطفل بفهم مفهوم “المساحة الشخصية”، وهو درس نفسي يتجاوز العلاقة مع الحيوان إلى العلاقات الإنسانية لاحقًا.

تأثيرات نفسية تتجاوز اللعب

في الحالات التي تُدار فيها العلاقة بشكل سليم، تشير تجارب أسرية ودراسات نفسية إلى أن تربية القطط تساعد الأطفال على تطوير مهارات أساسية مثل التعاطف، الصبر، الهدوء، والمشاركة. فالمهام اليومية البسيطة كإطعام القطة أو تنظيف صندوق الفضلات تعزّز الإحساس بالمسؤولية والانضباط، وتمنح الطفل شعورًا بالإنجاز..

لماذا يفضّل بعض الأطفال القطط؟

في زاوية أكثر تخصصًا، تلفت دراسات أُجريت في غرب فرنسا إلى نقطة لافتة تتعلّق بالأطفال المصابين باضطراب طيف التوحّد. إذ أظهرت النتائج أن هؤلاء الأطفال يميلون للتفاعل مع القطط أكثر من الكلاب، والسبب يعود إلى طبيعة القطط نفسها.

فالقطط لا تفرض تواصلًا بصريًا مباشرًا أو تفاعلًا مستمرًا، بعكس الكلاب التي تعتمد كثيرًا على النظر والتجاوب السريع. هذا “الهدوء التفاعلي” يجعل القطط أقل إرهاقًا للأطفال الذين يجدون صعوبة في تفسير الإشارات الاجتماعية، ويمنحهم مساحة آمنة لبناء علاقة دون ضغط.

وجود قطة في منزل فيه أطفال ليس قرارًا عاطفيًا فقط، بل خيار تربوي ونفسي له تبعاته. حين تُدار العلاقة بوعي وتوجيه، يمكن أن تتحوّل القطة إلى شريك صامت في تنمية الطفل نفسيًا وعاطفيًا. أما في غياب الإرشاد، فقد تصبح مصدر توتر أو خطر غير مقصود.

بين اللعب والمسؤولية، تكمن القيمة الحقيقية لتربية القطط: درس مبكر في الاحترام، والحنان، وفهم الآخر… حتى لو كان هذا الآخر يمشي على أربع ويخرخر بصمت.