ليالي الميتم أدفأ من العالم: اعترافات جو معلوف عن الذنب والهلع!
اعترافات مؤثرة للإعلامي جو معلوف في «هيدي قصتي» عن نوبات الهلع، الشعور بالذنب، الفقد المبكر، وتجربة الميتم بقراءة نفسية عميقة.
كتبت هناء بلال
في المراحل الصعبة، لم تكن نوبات الهلع مجرّد لحظات خوف عابرة، بل استجابة نفسية طبيعية لطفل وُضع أمام واقع يفوق قدرته على الفهم والاحتمال. حين لا يُفسَّر الفقد، ولا يُحتوى الانفصال، يتحوّل الخوف إلى حالة دائمة من التأهّب، ويصبح الجسد في وضع إنذار مستمر، فتظهر نوبات الهلع كترجمة جسدية لمشاعر لم يُسمح لها بالكلام، ولم تجد من يسمعها.
تتوقّف الذاكرة عند تلك اللحظة الأخيرة… اللحظة التي سبقت وفاة والده. لحظة عالقة بين «لو» و«ماذا لو»، بين صمتٍ ثقيل وأسئلة لم تُطرح في وقتها. حمل هذا الطفل لسنوات طويلة شعورًا بالذنب، لا لأنه مسؤول، بل لأن العقل الطفولي يبحث دائمًا عن سبب داخلي يبرّر الفقد. هكذا يتحوّل الحزن إلى اتهام ذاتي، ويصبح الذنب رفيقًا خفيًا يكبر معه، ويعيد تفسير كل ألم على أنه تقصير شخصي.
ثم جاءت تجربة العيش في الميتم. مكان يُفترض أن يكون باردًا وقاسيًا، لكنه في المفارقة الإنسانية كان، في كثير من لياليه، أكثر دفئًا من الخارج. في الميتم، كان الألم مشتركًا، والوحدة مفهومة، والصمت جماعيًا لا يُدين أحدًا. هناك، كان الحزن مقبولًا، والخوف مفهومًا، بينما كان العالم الخارجي أقل رحمة، أكثر قسوة، وأشدّ قسوة في أحكامه. في الميتم، لم يكن مضطرًا لتبرير وجعه، ولا لإخفاء هشاشته.
العجز عن التكيّف لم يكن ضعفًا في الشخصية، بل نتيجة مباشرة لحرمانٍ عاطفي مبكر، حيث غابت الأدوات النفسية اللازمة لتنظيم المشاعر. في علم النفس، يُعدّ الغضب أحد أقنعة الخوف، وغالبًا ما يظهر لدى الأطفال الذين يشعرون بعدم الأمان. فيتحوّل الغضب إلى آلية دفاع، وساترٍ يحمي الذات من الانهيار، ومن الاعتراف بالخسارة التي لا تُحتمل.
ومع غياب الاحتواء، يتشكّل ما يُعرف بـ«الطفولة المؤجَّلة»، حيث يُجبر الطفل على النضج قبل أوانه، حاملًا أسئلة وجودية أكبر من عمره، ومسؤوليات لم يخترها. هذه الثغرات النفسية لا تختفي مع الزمن، بل تتراكم بصمت، وترافق الفرد إلى مراحل متقدّمة من حياته، لتظهر لاحقًا على شكل قلق مزمن، نوبات هلع متكرّرة، أو شعور دائم بعدم الكفاية، خاصة عندما يكون المحيط سلبيًا ويُعيد إنتاج خطاب الفشل والعجز.
ورغم كل ذلك، فإن وجود شخص داعم وان كان غريبا بالدم قد يشكّل نقطة تحوّل حاسمة. كلمة صادقة، نظرة غير حاكمة، أو حضور إنساني في لحظة هشاشة، قد يعيد بناء الإحساس بالقيمة الذاتية، ويمنح الفرد نموذجًا بديلًا للأمان لم يعرفه سابقًا. هكذا، لا تُمحى آثار الطفولة القاسية، لكنها تتحوّل من جرحٍ مفتوح إلى وعيٍ عميق، ومن عبءٍ نفسي إلى قوة صامتة، تعيد تشكيل المسار، لا بالإنكار، بل بالفهم والاحتواء.


