حشود واشنطن وتهديدات طهران: هل دقّت ساعة الصفر؟
تصاعد التوتر في الشرق الأوسط مع حشد عسكري أميركي غير مسبوق في الخليج وتهديدات إيرانية مباشرة لإسرائيل والقواعد الأميركية. هل تقترب ضربة عسكرية أم أن الدبلوماسية ستمنع الانفجار الكبير؟ قراءة في حسابات الردع وتوازن الرعب الإقليمي.
كتب زياد سامي عيتاني في "اللواء":
بينما تشق مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» عباب البحر متجهة نحو الخليج، يرتفع منسوب القلق الدولي إلى مستويات غير مسبوقة. لم يعد الحشد العسكري الأميركي مجرد استعراض للقوة، بل بات يضع منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة أمنية بالغة التعقيد، حيث تتداخل فيها طموحات واشنطن لإعادة رسم قواعد الردع مع تهديدات طهران بجعل إسرائيل والقواعد الأميركية أهدافاً مشروعة.
• حشد عسكري وقواعد استراتيجية
في تطور لافت يعكس تصاعد التوتر، تواصل الولايات المتحدة تعزيز انتشارها العسكري في الخليج العربي. تتجه مجموعة «يو إس إس أبراهام لينكولن» برفقة ثلاث مدمرات نحو منطقة مسؤولية القيادة المركزية، تزامناً مع نشر مقاتلات F-15E في المنطقة ووصول سرب إضافي إلى الأردن.
صرّح الرئيس ترامب لوسائل الإعلام: «لدينا أسطول ضخم يتجه هناك، وربما لن نضطر لاستخدامه»، مؤكداً مراقبة واشنطن لإيران عن كثب. هذا التحرك تدعمه بنية لوجستية ضخمة تتمثل في وجود ما بين 40 إلى 50 ألف جندي أميركي موزعين على قواعد استراتيجية في قطر، الأردن، العراق، البحرين، الإمارات والكويت، مما يوفر لترامب خيارات عسكرية واسعة وجاهزية للتحرك السريع.
• إسرائيل في دائرة الردع الإيراني
وسط هذا الحشد، تبرز إسرائيل كهدف رئيسي للانتقام الإيراني، مما وضع تل أبيب في حالة استنفار غير مسبوقة. وقد صعّدت طهران خطابها بشكل غير مسبوق؛ حيث أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن إسرائيل والقواعد الأميركية ستكون «أهدافاً مشروعة» في حال وقوع أي هجوم، محذّراً: «سنتصرف بناءً على أي علامات موضوعية لوجود تهديد».
ولم تقف التهديدات عند التصريحات، بل رفعت طهران لافتات «سيحدث مرة أخرى» في شوارعها، ملمحة لاستهداف قواعد مثل «نيفاتيم» و«العديد» ومصافي النفط، في إشارة إلى أن قدراتها الصاروخية لم تُستنزف بعد.
• استنفار إسرائيلي وحسابات «الجولة الثانية»
تؤكد مصادر إسرائيلية أن البلاد في حالة تأهّب قصوى خشية أن تكون الضحية الأولى لأي رد فعل إيراني على تحرك أميركي. وتكشف التقارير أن بنيامين نتنياهو طرح على ترامب في ديسمبر الماضي إمكانية توجيه «جولة ثانية» من الضربات في 2026 لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية. ورغم تفضيل ترامب للحلول الدبلوماسية، إلّا أنه تعهد بضرب إيران مجدّداً إذا تجاوزت الخطوط الحمراء النووية.
رغم ضجيج التهديدات، يشكك محللون في قدرة إيران الفعلية على تنفيذ انتقام شامل بعد تدمير أجزاء واسعة من دفاعاتها الجوية في حرب يونيو الماضي. وفي المقابل، تواجه إسرائيل ضغوطاً اقتصادية وعسكرية نتيجة الجاهزية على جبهات متعددة، مما قد يحدّ من شهيتها لمواجهة كبرى.
يرى الخبراء في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» أن المبالغة الخطابية من الطرفين قد تكون للاستهلاك المحلي؛ فإيران غارقة في قمع احتجاجات داخلية دامية، وإسرائيل تواجه تحديات داخلية. ومع ذلك، يبقى خطر «سوء التقدير» قائماً، إذ يمكن لأي حادث عرضي أن يشعل فتيلاً لا يريده أحد.
• هل الضربة وشيكة؟
تبقى المؤشرات متناقضة؛ فمن جهة، هناك حشد عسكري هائل وضغط داخلي على ترامب للوفاء بوعوده للمتظاهرين الإيرانيين. ومن جهة أخرى، هناك معارضة إقليمية واضحة من دول الخليج التي تضغط باتجاه التهدئة واللجوء للدبلوماسية.
إذا تقرر الخيار العسكري، فالسيناريو المرجح هو ضربات عقابية محدودة ضد مراكز الحرس الثوري أو منشآت النفط. لكن التحدي الأكبر يكمن في «توازن الرعب»؛ فأي عمل عسكري قد يشعل أزمة طاقة عالمية إذا استهدفت إيران مضيق هرمز.
ختاماً، الأيام المقبلة ستكون حاسمة. التحركات الأميركية الحالية تعكس استعداداً لكل الاحتمالات، لكن القرار النهائي سيتحدد بناءً على تطورات الداخل الإيراني وقدرة الأطراف على ضبط النفس فوق حافة الهاوية.


