ليالي فيروز الحزينة: حين يغني الصمت
مقال يعرض لمراحل الحزن التي تعايشها فيروز
كتب شارل فؤاد المصري
ما أصعب أن تقف الكلمات عاجزة أمام حضرة الغياب .
فكيف إذا كان الغياب يخص"جارة القمر"؟ فيروز التي طالما كانت صوتا يداوي جراحنا ويرافق غربتنا .
فيروز تجد نفسها اليوم في مواجهة ليل طويل من الفقد برحيل ابنها الثاني "هلي".
هذا الرحيل ليس مجرد خبر عابر بل هو مشهد إنساني يدمي القلوب
فـ "هلي" الذي عاش بصمت تام بعيدا عن الأضواء كان يمثل وجها خفيا من معاناة فيروز الأم، تلك التي كانت تحمل في قلبها "قصة حب" من نوع خاص قوامها الصبر والاحتواء والرضا.
لطالما غنت فيروز للحزن برقي لا يشبهه أحد. وحين نتأمل فقدها اليوم تتبادر إلى الأذهان أغنيتها "بكي السهر" و "أمي نامت ع بكير" لكن وجع رحيل "هلي" يلامس عمقا مختلفا .
كأن لسان حالها اليوم يهمس بتلك الكلمات التي طالما بكت معها الملايين:
"يا ريت أنت وأنا كنا بمركب.. والريح تقلب فينا والموج يعلى"
هي رغبة الأم في حماية ابنها حتى من الموت أو الرحيل معه تجنبا لمرارة البقاء وحيدة بدونه.
لقد كان "هلي" هو السكون في حياة فيروز المليئة بالضجيج ..واليوم صار هذا السكون فجوة لا يملؤها سوى الإيمان.
"بيذكروك الصبح.. بيبكوك المسا"
في كل ركن من زوايا بيت فيروز ثمة ذكرى لـ "هلي".
الحزن الفيروزي ليس صراخا بل هو ذلك الهدوء الرزين الذي يذكرنا بأغنيتها:
"يا ريت منن.. منن ومنّك"..حيث تتمنى لو كان بإمكانها استعادة اللحظات الضائعة.
إن مصاب فيروز هو مصاب كل من اعتبر صوتها وطنا فاليوم يشعر المحبون أن في صوتها "بحة" جديدة بحة الفقد التي قالت عنها يوماً:
"قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس.. وتشتي الدنيي ويحملوا شمسية"
لكن هذه المرة فيروز هي التي تنتظر لا عودة "هلي" بل السكينة التي تنزل على قلبها لتعينها على هذا الفراق المر .
يا سيدة الصبر والجمال إن فقدان ابنك "هلي" الذي عاش في كنف دعائك ورعايتك الصامتة قد انتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الرحمة.
لعل في صوتك الذي واسى الملايين ما يواسيك اليوم.
سنردد معك وبقلوب مؤمنة كلماتك الخالدة:
"بعدك على بالي.. يا قمر الحلوين"
فـ "هلي" سيبقى دائما على بال تلك الأم العظيمة قمرا يضيء في سماء ذاكرتها.


