شاعرات شابات من لبنان: هذا القمح لنا يا ربّ
كتب محمد ناصر الدين في "الاخبار"
إنه الشعر في حدائقهنّ، دوّار الشمس في الحقل الملون يرنو إلى السماء والكلمات هي ما تجعله يدور، الشعر بوصلة الكون وهنّ كوكبة من الشاعرات اللبنانيات اهتدين إليه بقصائدهنّ الأنيقة شعراً ونثراً، يكتبن عن الحب والوحدة والنافذة التي تغري بالقفز والطيران ووجع الجنوب حين تحدو الأمهات فوق حطام الأبناء والأسلحة بالمواويل الحزينة.
شاعرات سبع في العقد الثاني أو الثالث من العمر قفزن فوق كل التصنيفات الممكنة وكل واحدة منهن تشق طريقها بحساسية الكلمة ورهافة الحرف، تحمل مصباحاً في ليل الذئاب كما يقول الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، فتقرّ أعيننا بأنّ الشعر ليس منذوراً للموت كما تطالعنا الكثير من النظريات الحديثة حول موت الشعر والفن والأدب، بل سيبقى مرافقاً للإنسان من زمن أمّنا حواء والشاعرة الإغريقية سافو مروراً بالخنساء وليلى الإخيلية وليس انتهاء بنازك الملائكة وفروغ فرخزاد وناديا تويني وسنية صالح وغيرهن.

نستمع إلى بعض هذه الأصوات الجديدة للمرة الأولى في «كلمات»، ولكأن هذا الضوء المنبعث من الروح تتوارثه الشاعرات في لبنان والمشرق من ربات الإلهام المهاجرة التي نصيخ لها السمع، كلما أردنا أن نشرب من أول النبع، وأن نرتوي من عسل الشعر المصفى في زمن كل ما حولنا فيه «تحليةٌ مرّة»
نوريا (آمنة نور ياسين)
• حديقة لرجل أعمى
أترك الناس في أماكنهم، وأذهبْ
لا أريد أن يتبعني أحد
الشمس حارقة،
وطريقي ماء!
ونحن نسافر،
على ساعدي
أريحُ ساقاً لدوّار شمسٍ واحدة
قطفها حبيبي لي من برّية،
نحلتُها لا تتحرّك.
في أول استراحةٍ لي
تساءلتُ:
أين أحفر قبور الزهور لأزورها،
خاملةٌ أطرافُ الذكريات،
كأيّ مخلوقٍ منذ مدّة لم يشرب.
في حديقة الرجل الأعمى،
نصفُ كرةٍ أرضية
أُفرغ قلبُها
قسوةً ما،
فهبطتْ فيها العصافير تغتسل.
ونحن نسافر،
في ثاني استراحةٍ لي
لم تقرأ لي الأصواتُ عن الحياة،
لكنني بفطرتي
بقيتُ أدور حول معصمي،
أفهمُ ضلوع البنفسج،
وألوّح بها
كلّما اشتقتُ إليَّ طفلة
ونحن نسافر،
في آخر استراحةٍ لي
مضى الوقت مكدّساً على بعضه،
ترفعه أصابعي عن الأرض
كي لا تمزّقه الأشواك،
أو يعلَق في غصنٍ جافٍّ
كسَرَتْ قلبَه الرياح.
الأرضُ رطبة،
ومنذ ولادتي
يبكيني المغيب
شمسٌ ما
لم أشبع بعدُ منها،
أو أنها لم تَسْطع على شعري
بكامل نورها.
ستختفي الظلال بعد الزخم،
وسأترك الوقت من يدي،
يجرّ بعضه بعضاً
أو يوقعني من نفسي
كما يوقع أيَّ شجرة.
حينها
سأظلّ في مكاني،
أتكوّر تحت ضوء القمر،
حتى يهدي الطريق إليَّ
أوّل حجلٍ يصلُه دفئي.
• لن أموت الآن
الحب مستلقٍ على جسدي
وأنا تحت الزجاج
أراوغ الغيوم على شكلها
قبل أن يخفت الضوء أكثر
بقية الحياة
حديقة لزهور يوم الجمعة
وحبيبي عطر في قبضتي
أبتسم له كلّما رفع الستائر
ويبتسم لي كلما أغلقها
خلف عمرنا
يعبر الناس عراة أراهم
في أيديهم سلال
يجمعون بها ضحك الأسواق
كي لا يبكون في الظلام
ومن شتاء إلى شتاء
يحرقون ما في أيديهم
خوفاً من اليباس
صوتي ينادي كل الحمام في المدينة
وتنقر عيوني معهم
فتات الخبز عن أرصفة الطرقات
كي نطير معاً
ونعبر البلاد إلى البلاد.
روحي خفيفة على نفسها
ثقيلة على الأرواح الباردة
وعندما أسير
يحملني وجهي على الرؤوس
ولا يراني أحد
تحت المظلة أخبّئ عيوني
كي لا أحزن
وأظل عائدة إلى حبيبي
الجمال عارم
الوقت ممتلئ
والساعات متداخلة في بعضها
لا زمان ولا مكان
لا هنا ولا هناك ولا هنالك
حبيبي- وأنا الأكثر مني
وقلبي الأكبر من البيوت
هذا الكون كله لي.
• لأن الحب يعرف الله وحده
سأغير مساري
هل لا زالت عيناي تضيئك؟
ما زال اسمك يشير لقلبي فابتسم
ألف قصيدة أضعتها لك على الأبواب
لم أخف
بأنها عليك تطرق
كان حلمي بأن تقضي أنت والمساء معي
لتشهد تحوّلي منك إلى نجمة
سيعصى عليك لمس الضوء
لكنني سألمس صوتك
لقد فات الزمان وغابك
وأنت بقيت ماشياً في جسدي
أحطّ عليك أحزاني كلها.
رنا علوش (بيروت)
• في ما يقوله الشبّاك
أنظر من شبّاك غرفتي الكبير
السماء صافية
غيومها بيضاء وكبيرة
الشمس ساطعة
العصافير تطير نحوها
الجيران على شرفاتهم يحتسون القهوة
يومٌ جميل ومناسب لأقتل نفسي
انتظرت طويلاً لتأتي اللحظة المناسبة
لحظة هادئة
ساكنة
لا تحتاج إلى رسالة قبل رحيلي
أُخبر بها أحبائي عن موتي الهادئ
ربما سأرسل رسالة
من هاتفي إلى حبيبي
أُخبره بأنّي سأتحوّل قريباً
إلى شجرة برتقال
وأن يبحث عني
لكي أحبّه على طريقة الأشجار
وأنّه حين يجدني
سوف أُسقط ثمرة من ثماري على رأسه
ليعلم بأنني أنا الشجرة
اليوم أقتل نفسي ولكنني لست تعيسة
اعلموا بأنني اخترت الموت
لأنني أنتظره
انتظرته طويلاً لكي يأتي
ولم يأتِ
اليوم أنا ذاهبة إليه
أليس هذا ما يفعله العشّاق؟
اليوم سأقفز من نافذتي
وأفرد ذراعي
وأنا أسقط سريعاً
عائدةً من الهواء إلى الأرض
اليوم ألاقي معشوقي
الذي سحرني بغموضه
وما عدت أستطيع أن أشغل تفكيري عنه
اليوم أرحل والشغف يملؤني
اليوم
أرحل بسعادة.
• قُبل الغيم
كيف تُقبّل الغيمة عشيقها؟
فأنا الآن أتمنى لو أنني غيمة
أسافر في السماء
لأبحث عن أراضيك
أنظر إليك وأراقبك من بعيد
فتبدو لي كائناً صغيراً جدّاً
تماماً كما تبدو لنا النجوم
حين ننظر إليها من الأرض
حين كنت أسكن في الأرض
كنتَ تبدو لي ضخماً
فأنت تسبقني بالكثير من الطول
ولكن أنا الآن غيمة بعيدة
أسكن بسماء قريتك النائية
«أتونّس» بمراقبتي لك
وتأملّك من بعيد
أحفظ جدولك المنتظم:
تخرج في الصباح
تعود عند الثامنة
لكنك سرعان ما تعاود الخروج مع الأصدقاء
تعود بعد منتصف الليل
لتحاول أن تنام
وتفشل دائماً في محاولتك تلك،
تخرج إلى الشرفة
لتشعل سيجارة وحيداً
رؤيتي إليك ولو من بعيد تسعدني
تطمئنني بأنك لا تقبّل امرأة غيري
وأنا بعيدة
مشكلتي الوحيدة هي أنني لم أتعلم بعد
التقبيل على طريقة الغيوم.
يارا الخوري (بيروت)
• أرضُ الحصى والبلّوط
الرحلة في أرض الحصى وحبّات البلّوط الفارغة
رحلة قاسية أن يمشيها المرء حافياً.
لماذا تمتلك أشجار الشمال جذوراً؟
ثلاثة صلبان صغيرة
من عيدَان العشب الجاف،
تركتها في دار تشبه أهلاً لي،
عاشوا في ذاكرتي لِلحظة.
على الحائط الأثري،
زحف كاهن طلى لحيته بالأبيض،
وتحت الشمس
تمشّت أرواح تعِبت طلاء وجوهها بالأبيض.
من حقل القمح المفقود،
حملتني غيمة كثيفة،
ورمتني في الشمال.
في الشمال دارٌ تتعالى أمامها
تلال من أوراق الشجر اليابسة،
تلهو فيها أفاعٍ مختبئة.
سئمتُ الصحراء، يَا أَخِي،
ما حالكَ وأنت تجوبها قبلي بسنين؟
أعطني حِمْلَك وَجَمَلك،
فقد اعتدتُ أشواك الصبّار،
ولكن لم أعتد دموعك.
ليلنا حزين،
ولكنّه رطْب بارد،
يغفو تحت غطائه الندى،
مطمئنّاً بين ثقوب الجدران،
وخلف البوابات،
على جِلد الحديد الصدئ.
لعنة الشمال
تسرّبت من حليب التين السام،
وجلست فوق قلوبنا،
فجَفَّت شراييننا من حِمضها.
إذا متنا، هل نصبح قلوباً جافّة؟
إذا حفرنا قبور القديسين،
هل نجد قلوباً مطّاطية جافّة؟
فِي النهار نتشارك عبء الظلمة،
وعند قدوم الليل،
نعود إلى التراب.
• حياتي السابقة
تراجَعَ عن حُبِّهِ لي
كلُّ من اعترَف
حياتي تجرّها
خيولُ الرفض
وها هو الشجاع الوحيد
يقف داخل مصراني الأعوج
فلنسافرْ إلى كوكبٍ آخَر
حيث حُرّمَ الحبّ
وحيث أرى نفسي
محاطة بكل الرجال المُسِنّين
الذين يشبهون شِعري.
• الوحدة
كلّ قصائد الحُبّ
هي احتفاء بزوالِ الوحدة
كلُّ قصائد الصُّدود
هي ترَقُّبٌ للأَلم القادم
جرّاء الوحدة
أمَّا عدا ذلك،
فهي قصائد
عن الوحدة.
• أمّي وأبي
جدّلت أمّي شَعري
وهي تُدندن أغنية ما
جلسنا في الشمس،
كان عقلها مشغولاً
إن كان في حقيبتي ما يكفيني من المال
أمّا أنا فأَغمضتُ عينيَّ
أحفر اللحظة في شعوري
هكذا تولدُ الذكرياتُ الأزلية
كم أنا سعيدةٌ
باتت لديّ الجرأَةُ
أن أطلب من أمي أَن تضفّر شَعري
وأن أُرسل لأبي صورةً لي
وأنا زلتهم فاكهتنا المفضّلة
وأن أعترف
كم أنّ الحياةَ أبسط من الشّعر.
مريم شعيب
• المسافات
تحت الظل وجهي مُبهرٌ
مُغرٍ للإقدام
وكلما تقدمتَ نحوه
تدّلت منه ابتسامات الإفلات
لا أعرف لماذا لم يكن يوماً
مُتسِعاً للبقاء
كل الذين رحلوا
قالوا إنه جميلٌ
لكن
دون تصغير المسافات.
• شطر في قصيدة
لا أعرف،
أريد أن أصير قصيدةً
مقطعاً في قصيدة
أو الشِّعر كله،
أود أن أصير شِعراً،
أي شيءٍ
عدا الموت
رغم أنني أرغبه دوماً
لكنني لا أريده.
أريد التخلص من حياتي
ولا أريد الموت:
الشعر لطيفٌ وخفيف
حتى آلامه مغرية،
أحبه
وأتخيل كم ستكون الحياة سهلةً
لو أنني شطرٌ في قصيدة؟
والكلمات تتساقط حولي
تحتي؟
لا أدري
لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه
أن الحياة هنا
لا تشبه شيئاً من هذا الشِعر.
• الفراشة
أريد أن أصير فراشةً يا الله
دون الغلّ على عنقي.
أريد أن أعيش دورة حياة فراشة
وأموت في النهاية بين الأضواء الخافتة
في سهرةٍ لطيفةٍ مع أصدقاءٍ لطفاء
لا يلاحظون موتي
لا أحد يلاحظ موتي
مجرد فراشة
دونما أغلال
أيّة أغلال
تعيش بحريّة
وتموت بحريّة.
• الحب الأزرق
يُصبح الحُبّ أزرقَ نقيّاً عندما نبتعد.
تُربّت الفراشات على أيادي المُبعدين
تأكل القطة من طبقي
أضحك.
لا أعرف كيف أبكي
فقط اليوم
لا أعرف كيف أبكي
كيف تتبدّل الألوان إذا؟
كما المشاعر.
تُصبح قاتمة
وحيدة
خائفة
لكنني أنا؟
أعرف كيف أغضب عندما أُحب
أضحك
عندما تأكل القطة من طبقي
ثم أرحل
أتركها والطبق
وقلبي كتحليةٍ مُرّة.
لأن الفراشات تموت وحيدة
لكثرة ما تربّت على أيادٍ خاطئة.
رياسة إسماعيل
• الانهيار
تنهار الأشياء دفعةً واحدة،
هي أيّام تشبه
يومَ يأمر الله بالنفخ في الصور
ينهار الشِعر مع آخر حفنة ترابٍ
أفلتتها يدُ الأمّ فوق جسد ولدها البكر
هناك، حيث تهبّ الريح مع وصول النبأ
يولد الشعر من النساء بصرخةٍ واحدة:
مرةً عند الولادة،
مرةً عند الشهادة
يتجمعن فوق الأضرحة
متشحاتٍ بالسواد
تهتزّ جذوعهنّ
لكن لا ثمرَ يسقط
ولا ماءَ يصعد
يعتلي الحزن وجوههنّ مرةً
والغبطةَ مرةً أخرى
أقف بينهنّ
وبين أشباح البخور الحائرة،
المكان ينغلق على نفسه
جِنانٌ متفرّقة تغطيها ورود الجميلة
تخفف من حدّة الموت
أبحث عن الشعر في المواساة:
من تواسي مَن؟
كلهنّ مصلوبات
قدّمن القرابين من أرحامهنّ
من بين ضلوعهنّ،
وأياديهنّ الملوِّحة خلف التوابيت
تمتدّ سياجاً أمام الغزاة.
يقول طفلٌ لم يرَ شيئاً ممّا دُفن:
- أُحدّق في نجمةٍ في السماء فأشعر بأنها تحدّق بي أيضاً!
تجيبه الأم: - ليست نجمةً يا بنيّ، بل مسيّرة تلتقط له الصور.
- هل هذه النجمة تحمل لأبي الأمنيات؟
- لا، هذه التي تقتلها...
طفلةٌ تظنّ الجسد الذي تقف فوق رأسه
ما زال حيّاً في الكواليس،
يراقبها تكبر شبراً
كلّما كبر الشوق في زوايا البيت
وعلى ملاءات السرير.
تسأل:
- هل الجميع هنا مات أباهم؟
نعم، كلّنا ماتَ أبانا.
على عتبات الديار
يقفنَ منتظراتٍ بقايا الأثر،
ينشدن الموروثات:
«يا ريت ما إجا باسمك ناعي،
سلامة قلبَك من كل الوجاعِ»..
سألتك يا ربّ باسم وداعاتنا:
يا ربّ، أنت لم تُخطئ،
لكنّي لم أرَ مطراً
عندما نفث التنين ناره،
ولم أرَ سجيلاً
يسقط على رأس الفيل.
وددتُ أن أعرف:
هل كان لدعائي يا ربّ نفعٌ؟
هل دارى صاروخاً عن رأس شاب؟
كنتُ أحلم بعودةٍ
نأنس فيها جميعاً حول النار،
نجدد حكايات الشتاء،
يخبروننا كيف اشتبكوا
أين ناموا،
ماذا أكلوا،
متى ضحكوا،
وكيف أخرجوا الوحوش من الكروم؟
نكتب شعراً عن البطولة
ونغنّي للنصر
ويظنّ الآخرون أنه شعرٌ الأسطورة
كتبه السكارى في الحانات.
لكنهم ماتوا.
مات البطل في شِعرنا.
فما الشعر؟
ما العمر؟
ماذا أقفّي وأنشد؟
تنذرنا الطيور المهاجرة
في سمائنا بقدوم الشتاء.
أظنه سيكون دافئاً هذا العام.
أقول هذا
وأنا ممنوعةٌ من جمع الحطبِ،
والحَبِّ، والأصحاب.
وحُرقت البيوت ومؤونتها في الحرب
عدتُ لأجد العفنَ
قد تكاثر على وجه المربّى،
وسمعتُ أحاديثَ السوس
في أكياس القمح؛
لقد اتفقوا على أن يتركوا لي حفنة.
لكنّي لن أسكت.
مع كل ريحٍ سأصرخ:
هذا القمح لنا يا ربّ.
سنقاتل،
كما قاتل صِبيةُ عامل على تخوم القرى
بأيدٍ أكلتها الشمسُ والقبَل.
كما ألقينا الخطب،
ونثرنا الورد،
كما لوّحت النسوة للعمر وهو يمضي،
كما جاوبنا
عندما كان لا بدّ أن تلتقي الأسئلة بالأجوبة:
ما الذي قد فات أوانه؟
ما الذي هو أبكر من أوانه؟
بالطبع، ليست المقاومة،
بالطبع، ليس القتال.
لودي شمس الدين
• صوتك جمال العالم الأخير
أحَدَ عشرَ كوكباً
والشمسُ تهتزُ
ثم يَثبتُ القمرُ في عينيك
في السورةِ
نورٌ يهدهدُ النور
زيتونةٌ تكبُر
البحرُ زيتُ اللغة فوق فمِك
ماءٌ يغسِلُ
«همّتْ به وهمَّ بها»
في ماءِ يديك
ما للريحِ تخلعُ عني صوتي؟
وروحي تسوطُها حناجرُ الطير
يا حبيبي
مطرٌ يجرحُ شفتي
الوقتُ خشبٌ عتيقٌ يضيعُ في النهر
تعالَ نرتبُ بدايات الخليقة
عتبةٌ أولى للخلق:
جسدُكَ الناعسُ تحت الضوء
رأسُ إبرة الضوء:
إزميلُ قُبلتِكَ على شامتي
يومهُ السابع ثم استوى على العرش
وجهك الذي ينطحُ غزلان السماءِ النائمة
ثم تعالَ نقترحُ النهايات:
وشوشةُ وقعُ قدميك فوق الرمل
هذا لحنٌ أخير
اختلاطُ أنفاسَنا بملحِ البحر:
هذه خريطةٌ للغرق
الوصول لعُنقِك
هذا توْقُ الليلِ لصيرورةِ الفجر
وبين البداية والنهاية
فليكُن ضبابٌ لازمٌ
انسجامُ الغيمِ مع يديك في خصري
ومنازلُ للقمرِ المُنكسر
فوق بئرٍ للموتى
النايُّ يبكي
قصبُّ السرِّ المجروح
يمزِّق العاصفة
يمزِّقُ قلبي
قلبي الجمالُ الأخير لصوتِك
صوتُك مطر
صوتُكَ جُرح
المطرُ صوتُك
صوتُك الجرح
صوتك جمال العالم الأخير.
• الصبَّارة القديسة
الضبابُ دابّةُ الله
الحجرُ ماء
الوردةُ جرسُ الغياب
تأخرَ الكلام
الكلامُ ناقةٌ تعرج
لا تصل إلى الضوء المُرّ
كثافةُ العدم في الأزمنة
يستقيمُ النهر في قبرين
من البدايةِ حتى النهاية:
صوتُكَ نقطةُ الدم العوجاء
فاصلةُ المسافة
حدودُ الرؤيا
فراشةُ البرد
فِضةُ الأسماك الميتة بيننا
دبيبُ النمل في عظامي
تعال الآن قبّلني فوق ظهري
تخرُج منه صبّارةٌ قديسة
تباهي الشجرة الوحيدة في الصحراء.
• الزمن حيوان بري يجرح
الشمسُ فارغةٌ
لا جدوى
ماتَ العالم الآن
ها هنا فوق فمي
تناوبَ
بين النار والماء
قلبي الرمادُ
لا يرعِبهُ دخان الجُثث
قلبي نافورةُ دم
جسدي غابة
حمراءُ من الدمع
دَمعُ العتمة
منفى
منفى
في دورةِ الفلك
لا جدوى
من رحمةِ التوليب
ألفُ عام من التيه
الرياحُ أجِنَّةُ الحبق
الشمس فارغة
الجثثُ وجهُ الأرض
البئر وجنتُها اليمنى
الجحيم وجنتُها اليسرى
الحبُ مئةُ فمٍ من زجاج مهشّم
الحب مقصلةُ الدم
سكّين القصّابِ في العظام
لا جدوى من البلابل،
في المنفى كلُّ شيء يجرح
الغاردينيا يجرح
الطيور تجرح
الزمنُ حيوان بري يجرح.
• دخان الغابات
تنزّ الشمس دماً أسود
تحرق ظلّها في فرن الخيزران
البحر تمساح بطنه فوق الرمل
الصخر طفلٌ نابه الحليبي
في لحم الماء
قدماك النار
لكن ويحَك
كيف نسيت الهواء
عليلًا فوق فمي
وحفرت الواديَ في جسدي
ولم تلتفت.
هذا دخان الدمع الغابات
وخنجر يقلّم الورد فوق الخدّ
كان يا ما كان
ملحمة في النبع
التين أصفر
والغيم في «الخيام»
قارورة للدم
وأقحوانة الوقت البيضاء
تنساب وحلاً فوق وجه العالم
كيف بدّلتَ أصابعي بالحطب؟
كيف جعلتَ قلبي
بيتاً للأفعى
كيف سالتْ
حمامة قلبي اليافعة
فوق شيبتك الفضية؟
زينب بزي
• أمقت ربات البيوت
أمقتُ ربّاتِ البيوت يا فاطمة وأحبُّهُنّ. ذلك اللقبُ الذي سرقَ من أمي عمرًا، وسرقَ منّي ما هو أكثر. كانت أمي تستطيع أن تنظّفُ العالم كلَّه، وتطبخُ له، وتغسلُ حزنَه، وتكوي قميصَ الغدّ الذي لا يأتي. كانت تفعلُ كلَّ شيء، إلا أن تكون بجانبي حين كان يجب أن تكون. كان عليها أن تعلّمني كيف تتحوّل الكلماتُ الحلوةُ إلى مرارة في الروح، وكيف يشفى القلبُ من الخذلان لا كيف يشفى الجسدُ من ارتفاع الحرارة. كان عليها أن تخبرني كيف يعيشُ الطيّبون بقلوبٍ معطوبة، وأيدٍ صغيرة. كان عليها أن تدفعني نحو حلمي، لا أن تعلّمني كلَّ مساء كيف أودعه بكلمةٍ قصيرة: «حاضر».
كان عليها أن تعلّمني كيف أنجو من الأشواك في الدرب، لا زراعةَ الورد على وجوهٍ لا أحبُّها، فقط كي ننجو ليومٍ آخر. كان عليها أن تصلّي لمن يحرسني، لا أن يبعد عني «أولادَ الحرام». كان عليها أن تحكي لي عن أحلامها، علّني أرث شيئاً يستحقُّ، لا أن تقاسمني الخبز والهمَّ على مائدةٍ واحدة. كان علينا أن نرحل معًا إلى الحقولِ والمدنِ البعيدة، أن نقطف الزعترَ والورد واللوز، ونشتري الفساتين المورّدة، ودفاتر الذكريات. لكن أحدًا كان لا بدّ أن يبقى، يحرسُ الجدران والبيوتَ الباردة. حاولتُ أن أحمل عنها، لكنّ هناك فرقاً شاسعاً: هي حملتْ بدافعِ الحب، وأنا حملتُ بدافعِ القهر، وشتّان ما بين قلبين.
واليوم، أحمل كثيرًا من صفاتها. أعطي ما عندي… وما ليس عندي. أحبُّ كثيراً إلى أن ينثقبَ قلبي فيتساقطَ منه الناسُ على الدروبِ الوعرة، فلا أستطيع العودة لالتقاطهم مجدداً. أشتري الخضار والفاكهة والخبز، وأشعر بالرضا. أعطي وردي وأشيائي الصغيرة لأول عينٍ تنظر إليَّ بحب، ولا أندم.
قالت لي معالجتي يوماً: «أنتِ كما أمّك». أخافتني، أبكتني، وأعادتني إلى نفسي. لا أريد أن أكون مثلها. لا أريد قلبها، ولا يديها المتعبتين. اليوم أصبحت بعيدة عنها، أزور المقاهي ومحالَّ الورد، أجوبُ الشوارع، أتحدّث مع غرباء يشبهونني، ولا أجدني إلا أكررها: أحملُ ما كانت تحمل، همومًا، وأكياسًا، وقلوبًا، وأيدٍ تركتْ آثارها فوق كتفيّ الصغيرين. أغسلُ، أكوي، وأركض خلف من أحبُّ بالطعام والدواء والبكاء.


