"مدينة الحب لا يسكنها العقلاء": إن لم تتعافَ بعد… ابتعد 300 متر عن هذه الرواية!

في زمنٍ تمتلئ فيه حياتنا بتحذيرات الحرب ونداءات الابتعاد عن الخطر، تحمل بعض الكتب التحذير ذاته ولكن بصيغة عاطفية. رواية مدينة الحب لا يسكنها العقلاء للكاتب أحمد آل حمدان ليست مجرد قصة حب، بل تجربة شعورية عميقة قد تعيدك إلى نقطة الصفر إن لم تكن قد تعافيت، بأسلوبٍ سلس ومشدود، تنتمي إلى تلك الروايات التي تُقرأ في جلسة واحدة، لكنها تترك أثرًا طويلًا لا ينتهي مع الصفحة الأخيرة..

مارس 25, 2026 - 08:20
 0
"مدينة الحب لا يسكنها العقلاء": إن لم تتعافَ بعد… ابتعد 300 متر عن هذه الرواية!

كتبت هناء بلال 

في ظلّ ظروف الحرب، ومع تصاعد الخطاب المشحون، والشعور العميق بضرورة النأي بالنفس عن الدخول في سجالات عقيمة لا تُنتج سوى مزيد من الانقسام، فضّلت اللجوء إلى مساحة أكثر هدوءًا وصدقًا: القراءة. 

وقع اختياري على رواية مدينة الحب لا يسكنها العقلاء للكاتب أحمد آل حمدان، كملاذ إنساني يلامس ما تعجز السياسة عن قوله، ويمنح المشاعر صوتًا بعيدًا عن الضجيج.

تقدّم هذه الرواية خطابًا عاطفيًا مكثّفًا، يقوم على ثنائية الحضور والغياب، حيث يتحوّل الفراق إلى محرّك أساسي للكتابة، وكأن الحبر هنا بديل عن الصوت الذي لا يصل. 

يقول الكاتب: «ما دام صوتي لا يصل إليك فسأظل أكتب وأكتب، وأبثّ لك في كل كتاب سرًا لن يعلمه سواك أحد»، في إشارة واضحة إلى أن الكتابة ليست فعل إبداع فقط، بل محاولة مستمرة لاختراق المسافة واستعادة علاقة مفقودة.

وتتعمّق الرواية في تحليل علاقة الشوق بالكتابة، فنحن حين نشتاق نكتب، وحين نكتب نقصد، وحين نقصد ننتظر.. وكأنها ترسم مسارًا دائريًا للألم، يبدأ بالغياب وينتهي بانتظار لا يتحقق. هذا الانتظار ليس موجّهًا للجميع، بل لذلك “البعيد” الذي يُفترض أن تصله همسات الشوق … أن يدرك حقيقة ما نشعر به، لكنه غالبا لا يفعل... 

«سأكون مشهورًا في يوم ما، ليس حبًا في الشهرة ولكن كي يتسنى لك أن تقرئي أخباري». هنا تتقاطع الذات المبدعة مع الذات العاشقة، حيث يصبح النص مساحة خفية للتواصل، ورسالة مشفّرة لا يفهمها إلا من كُتبت لأجلها.

تؤسس الرواية لفكرة الحب الواحد الذي لا يتكرر: «هناك شخص واحد فقط نقع في حبه، وكل ما بعده للنسيان». غير أن هذا "النسيان" يبدو هشًا ومخادعًا، إذ سرعان ما ينهار أمام عودة الشوق، لتطرح تساؤلًا فلسفيًا: كيف يمكن للنسيان أن يعيش في ظل ذاكرة يقظى؟

وفي لحظة اعتراف قاسية، يكشف السرد عن ندم متأخر:

"كلما تقدم بنا العمر، كلما ندمنا أكثر على لحظة كان في استطاعتنا أن نقول لأولئك الغائبين كلمة حب ولم نقلها لهم". هنا تتحول الذاكرة إلى محكمة، يُدان فيها الصمت أكثر من الخطأ.. 

وتطل الرواية على مناطق مظلمة في النفس البشرية، حيث يتجلّى التناقض العاطفي بأقسى صوره، في رغبات مدمّرة نابعة من العجز، تارة يتمنى المحب زوال شريك الطرف الآخر، وتارة يعترف بانكساره: «أنا بخير… كذبة اعتدت قولها. تعالي لأخبرك أني لست بخير… يؤلمني هذا الغياب، أريدك، أحتاجك». هذا التمزّق يكشف هشاشة الإنسان حين يفقد من يحب.

يتوجه الكاتب الى شريك حبيبته السابقة برسالة يختمها بعبارة" اتمنى لك الموت العاجل" وتارة اخرى يحتفظ بأمل ان يعود الحبيبان ليكملا ما تبقى من عمرهما سويا "عندما يدهس قطار زوجك ويلتهم الحوت زوجتي.." سنعود معا.. 

 وفي استعادة مستحيلة للماضي، يقول: «لو أن الزمان يرجع قليلًا إلى الوراء لكنت سأختار حبك من دون أن أحتار»، ليؤكد أن الحب، رغم ألمه، يبقى الخيار الأجمل حتى في الندم.

أما عن كرامة المرأة، فتقدّم الرواية طرحًا حادًا: «المرأة خُلقت لتغفر، ولكن حين تُمس كرامتها فإنها تطأ قلبها بقدمها ثم ترحل، وحين ترحل لا تعود أبدًا». هنا ترتفع نبرة الحسم، ويتحوّل الحب من مساحة تسامح إلى خط أحمر لا يُتجاوز.

تنتهي الرواية إلى قناعة موجعة "هناك 

شخص حين نفارقه يصبح القلب بعده غير قابل للحب مرة أخرى».

وهي ليست مجرد جملة عاطفية، بل خلاصة تجربة وجودية ترى في الحب حدثًا فريدًا، لا يُعوَّض، ولا يُستعاد، بل يُكتب… فقط كي لا يُنسى.

" مدينة الحب لا يسكنها العقلاء " رواية تلامس مناطق هشّة فينا، وتعيد فتح ما نظن أننا أغلقناه. لذلك، أنصح بقراءتها لمن وصل إلى مرحلة التخطّي، واستطاع أن ينظر إلى الحب كذكرى لا كجرح.

أما إذا كنت ما زلت تحاول تجاوز علاقة سابقة، وما زال ألم الفراق حاضرًا… فابتعد عن هذه الرواية، ثلاث مئة مترًا على الأقل!