حادثة غامضة عام 1850 غيّرت تاريخ عائلة كاظم الساهر بالكامل !
في خطوة تحمل طابعًا توثيقيًا وتاريخيًا، كشف الكاتب والباحث العراقي حسين جبار، شقيق الفنان العراقي كاظم الساهر، عن قرب صدور كتاب جديد يتناول الجذور التاريخية لعائلة الساهر، في محاولة لإعادة قراءة تاريخ العائلة الممتد من مدينة سامراء العراقية وصولًا إلى بغداد، حيث بدأت ملامح رحلة “القيصر” الفنية التي صنعت واحدًا من أهم الأسماء في تاريخ الغناء العربي الحديث.
الكتاب، الذي وصفه حسين جبار بأنه مشروع توثيقي طويل، لا يكتفي بسرد حكايات عائلية تقليدية، بل يغوص في تفاصيل التحولات الاجتماعية والقبلية والهجرات التي عاشتها الأسرة عبر أجيال متعاقبة، مستندًا إلى روايات موثقة ومخطوطات وشهادات متوارثة داخل العائلة.
حادثة “الكيميت”.. اللحظة التي غيّرت مصير العائلة
ويعود الكتاب إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى عام 1850، حين يروي الباحث قصة الجد الرابع للعائلة “حسين بن علي بن خليل” وشقيقه “محمد”، اللذين كانا يقودان قافلة تجارية متجهة نحو البصرة، قبل أن تتعرض القافلة لهجوم مسلح نفذه قطاع طرق في منطقة تُعرف باسم “الكيميت”.
وبحسب الرواية الواردة في الكتاب، فإن الهجوم أسفر عن مقتل “محمد” بطلق ناري، في حادثة شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأسرة، إذ اضطر “حسين” بعد تلك المأساة إلى ترك موطنه الأصلي والاستقرار في مدينة العمارة جنوب العراق، حيث استقبله سكان المدينة بحفاوة، وبدأ هناك مرحلة جديدة من حياته عبر تأسيس تجارة خاصة وبناء عائلة جديدة حملت لاحقًا اسم “الساهر”.
ويشير حسين جبار إلى أن هذه الحادثة لم تكن مجرد واقعة عابرة، بل شكلت البداية الحقيقية لتحول اجتماعي وجغرافي كبير غيّر مسار العائلة بالكامل، وأدى لاحقًا إلى انتقالها بين أكثر من مدينة عراقية.
توثيق النسب وحسم الجدل حول أصول العائلة
ويتوقف الكتاب مطولًا عند مسألة نسب عائلة الساهر، وهي القضية التي أثارت على مدى سنوات نقاشات عديدة في الأوساط الشعبية العراقية، خاصة مع وجود تشابه في أسماء بعض العشائر والفروع العائلية.
وأوضح حسين جبار أن العائلة تنحدر من “السيد علي بن خليل السامرائي”، مؤكدًا أن جذور الأسرة تعود إلى سامراء، وأن الكتاب يهدف إلى وضع حد لأي التباس تاريخي يتعلق بالانتساب القبلي أو العشائري.
كما شدد على ضرورة التفريق بين “دراج السامرائي”، الذي تنتسب إليه عائلة الساهر، و”دراج السيلاوي العذاري”، المرتبط بعشيرة “البو دراج/ربيعة”، موضحًا أن التشابه في الأسماء فقط هو ما تسبب في اختلاط الروايات بين الطرفين.
ويقول جبار إن الهدف من هذا التوثيق ليس إثارة الجدل، بل “الحفاظ على دقة الرواية التاريخية ومنع تداول معلومات غير موثقة”، خصوصًا مع الاهتمام الواسع الذي تحظى به سيرة كاظم الساهر في العالم العربي.
من العمارة إلى بغداد.. رحلة البحث عن الاستقرار
ويتناول المؤلف أيضًا مراحل الهجرة التي عاشتها العائلة خلال القرن العشرين، مشيرًا إلى أن الجد “السيد إبراهيم” لم يحقق النجاح التجاري نفسه الذي حققه شقيقاه “رسن” و”علي”، ما دفعه إلى اتخاذ قرار مصيري بالانتقال إلى بغداد عام 1934.
ويصف الكتاب تلك المرحلة بأنها “الهجرة الكبرى” للعائلة، إذ مثّلت بغداد نقطة التحول الأساسية التي مهّدت لظهور جيل جديد عاش بين الفقر والتحديات والطموح، وكان من بين أفراده لاحقًا الطفل الذي سيصبح “قيصر الأغنية العربية”.
كاظم الساهر.. من أزقة بغداد إلى المسارح العالمية
وفي فصول مطولة، يتتبع الكتاب سيرة كاظم الساهر منذ طفولته في بغداد، مرورًا بدراسته في معهد الدراسات الموسيقية، وصولًا إلى تحوله إلى أحد أبرز نجوم الغناء العربي.
ويستعرض المؤلف بدايات الساهر الصعبة، إذ عمل مدرسًا للموسيقى في سنواته الأولى، قبل أن يحقق شهرته أواخر الثمانينيات عبر أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة الأغنية العراقية والعربية، مثل “عبرت الشط” و”لدغة الحية”.
كما يسلط الضوء على العلاقة الفنية التي جمعت الساهر بالشاعر الراحل نزار قباني، والتي شكّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأغنية العربية الفصحى، بعدما نجح الثنائي في تقديم أعمال مزجت بين الشعر الراقي واللحن الحديث، لتتحول قصائد قباني إلى أعمال جماهيرية خالدة بصوت “القيصر”.
ويرى حسين جبار أن نجاح شقيقه لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي طويل عاشته العائلة على مدى أجيال، وهو ما يحاول الكتاب كشفه من خلال الربط بين التاريخ العائلي والتحولات التي شهدها المجتمع العراقي خلال القرنين الماضيين.
ومن المتوقع أن يثير الكتاب اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية والفنية العربية، خاصة بين جمهور كاظم الساهر، لما يتضمنه من معلومات غير منشورة سابقًا حول تاريخ العائلة ومسيرة أحد أكثر الفنانين العرب تأثيرًا في العصر الحديث.


