جعجع: المطلوب من اي تسويات تثبيت وضع طبيعي في لبنان
الشرق الأوسط
اعتبر رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أن لبنان يقف أمام "معضلة معقدة للغاية"، مؤكداً أن الاكتفاء بالمراقبة لم يعد كافياً، لأن أصل المشكلة لا يزال قائماً من دون معالجة فعلية، فيما شدد على أن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن يجب أن تقود إلى إنهاء نهائي لحالة المواجهة على الحدود الجنوبية، لا إلى تهدئة مؤقتة أو حلول مرحلية.
وفي حوار مع صحيفة "الشرق الأوسط"، قال جعجع إن المطلوب من أي تسويات قائمة اليوم هو "تثبيت وضع طبيعي للبنان كدولة مستقلة ذات سيادة، بعيداً من التدخلات والصراعات الخارجية"، معتبراً أن اللبنانيين "لم يعودوا يحتملون العودة المتكررة إلى دوامة التصعيد والقلق نفسها".
وأكد أن المفاوضات المرتقبة الخميس المقبل يفترض أن تفضي إلى "وضع طبيعي ودائم على الحدود الجنوبية للبنان"، مشيراً إلى أن كيفية الوصول إلى هذا الهدف تبقى مرتبطة بمسار التفاوض والسلطة السياسية ممثلة برئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والمؤسسات الرسمية.
ورأى جعجع أن المفاوضات الجارية في واشنطن تمثل "الحدث الأبرز" في المرحلة الحالية، ليس بسبب الرغبة بالمفاوضات بحد ذاتها، بل "لغياب أي بديل جدي قادر على إخراج البلاد من أزمتها الراهنة"، مضيفاً أن أي طرف يملك طرحاً آخر "فعلياً وجدياً" عليه أن يقدمه.
وفي قراءته للمشهد الإقليمي، وصف جعجع الوضع بأنه "شديد التعقيد" في ظل المواجهة الأميركية - الإيرانية، معتبراً أن النفوذ الإيراني في لبنان دخل مرحلة التراجع، وأن "المرحلة الإيرانية" باتت شبه منتهية أو على وشك الانتهاء، لأن الظروف الإقليمية والدولية لم تعد تسمح باستمرار الواقع السابق.
وأكد أن لبنان لا يستطيع البقاء ساحة لصراعات الخارج، بل يحتاج إلى إعادة تموضع كدولة طبيعية ذات قرار مستقل، معتبراً أن أي دور خارجي، "سواء كان إيرانياً أو غيره"، يجب ألا يكون على حساب سيادة الدولة اللبنانية.
وفي معرض حديثه عن الخطوط الحمراء في المفاوضات، قال جعجع إن المقاربة الواقعية تقتضي البحث عما يمكن أن ينجح "بأقل قدر ممكن من الخسائر والتعقيدات"، مشيراً إلى أن المطلوب اليوم هو "تجربة الحد الأدنى الممكن" القادر على تحقيق الاستقرار.
ولفت إلى أن رئيس الجمهورية يدير المفاوضات "بطريقة سليمة"، موضحاً أن أي تفاهم مع إسرائيل لن يُعلن قبل أن يتضمن كامل المطالب اللبنانية، وأن التفاهم يُحضّر أولاً على مستوى المضمون قبل الانتقال إلى اللقاءات الرسمية أو توقيع الاتفاق.
واعتبر جعجع أن الحدود الجنوبية كانت طوال الستين عاماً الماضية المدخل الأساسي لكل الأزمات التي شهدها لبنان، وأن معالجة هذا الملف بصورة نهائية باتت "ضرورة وطنية"، بعدما تحولت الساحة الجنوبية، وفق تعبيره، إلى مساحة مفتوحة للصراعات والتنظيمات المسلحة منذ زمن المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى سيطرة "حزب الله" على المشهد بالكامل.
ورفض رئيس "القوات اللبنانية" الحديث عن غياب الغطاء الوطني للمفاوضات، مشدداً على أن رئيس الجمهورية يتمتع بشرعية دستورية وشعبية كاملة بعد انتخابه بـ98 صوتاً في مجلس النواب، وأن حكومة نواف سلام نالت ثقة المجلس المنتخب ديمقراطياً، معتبراً أن لبنان يمتلك اليوم "سلطة شرعية كاملة الأوصاف".
وفي المقابل، تحدث جعجع عن مشكلة "الدولة العميقة" داخل لبنان، معتبراً أنها تؤخر تنفيذ قرارات السلطة السياسية، وتضع أي محاولة للمواجهة أمام خيارين: "إما الخضوع وإما الإقصاء".
أما في ما يتعلق بموقف "حزب الله"، فقال جعجع إن القرار النهائي للحزب "مرتبط بالكامل بإيران"، معرباً عن تشاؤمه حيال إمكان تبدل هذا الواقع في المرحلة الحالية.
وشدد على أن وجود تباينات سياسية في لبنان أمر طبيعي، لكن ذلك لا يبرر تعدد المرجعيات أو تعطيل عمل الدولة، مضيفاً أن ما يحصل اليوم "يوحي وكأن هناك أكثر من مرجعية تدير القرار في البلد".
وفي الشأن الداخلي، استبعد جعجع خطر اندلاع حرب أهلية جديدة، مؤكداً أنه لا يرى مؤشرات فعلية على وجود أطراف مستعدة لهذا المسار، لافتاً إلى أن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية تتحرك بسرعة لمنع أي انفلات أو توتر داخلي.
وختم بالتأكيد أن بناء الدولة في لبنان يحتاج إلى "جرأة وقرارات وتضحيات"، معتبراً أن أحداً لن يمنح اللبنانيين دولة جاهزة إذا لم يبادروا هم إلى بنائها، وأن الفرصة لا تزال متاحة شرط "التقاطها والذهاب بها حتى النهاية".


