هل تُعلن حرب إيران نهاية الهيمنة الأمريكية أم تُطيل عمرها؟

مايو 15, 2026 - 07:58
 0
هل تُعلن حرب إيران نهاية الهيمنة الأمريكية أم تُطيل عمرها؟

كتب باسم الموسوي:

نادراً ما تحظى الحروب الفاشلة بقراءة استراتيجية هادئة في لحظتها الأولى. فغالباً ما تنشغل العواصم بإدارة الخسارة أو تجميلها، بينما يتأخر النقاش الحقيقي حول ما تعنيه تلك الحرب لمستقبل القوة العالمية. هذا ما يحاول تفكيكه تريتا بارسي عبر تجميع آراء عدد من أبرز منظّري العلاقات الدولية، مثل ستيفن والت، في قراءة تتجاوز الضجيج اليومي إلى سؤال أبعد: ماذا تعني حرب إيران لمصير الهيمنة الأمريكية؟

الإجابة، في جوهرها، ليست مطمئنة لواشنطن. فهذه الحرب لا تُشبه العراق ولا أفغانستان، لا من حيث الشكل ولا من حيث النتيجة. في العراق، استطاعت الولايات المتحدة أن تربح الحرب عسكريًا وتُسقط النظام، لكنها خسرت السلام لاحقًا. أما في إيران، فالصورة أكثر قسوة: لا نصر عسكريًا واضحًا، ولا إنجازًا سياسيًا يُذكر. الفشل هنا مزدوج، وهذا ما يمنحه دلالة استراتيجية أعمق بكثير.
تكشف الحرب عن تحوّل أساسي في طبيعة القوة. فالتفوق الجوي، الذي كان لعقود العمود الفقري للهيمنة الأمريكية، لم يعد كافيًا لحسم الصراعات. القدرة على السيطرة على السماء لا تعني بالضرورة القدرة على تشكيل الواقع على الأرض. هذا الدرس ليس جديدًا بالكامل، لكنه في الحالة الإيرانية يبدو أكثر حدّة، لأن الخصم لم يكن دولة هامشية، بل قوة إقليمية استطاعت أن توظف الجغرافيا، واللا تماثل، وشبكات النفوذ، لتقويض أهداف قوة عظمى.
هنا يبرز عنصر بالغ الخطورة في الحسابات المستقبلية: ما نجحت فيه إيران يمكن أن يتحول إلى نموذج. لم يعد من الضروري امتلاك قدرات تقليدية ضخمة لمواجهة الولايات المتحدة؛ يكفي امتلاك أدوات غير متكافئة واستراتيجية مرنة تستنزف التفوق العسكري بدلًا من مواجهته مباشرة. هذه الفكرة، إذا انتشرت، تعني أن كلفة الهيمنة الأمريكية سترتفع بشكل غير مسبوق، وأن قدرتها على فرض نتائج حاسمة ستتآكل تدريجيًا.
لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الميدان العسكري. فالحرب تكشف أيضًا عن هشاشة البنية السياسية للتحالفات الأمريكية. غياب الدعم الصريح من الحلفاء، أو ترددهم، يعكس تآكل الثقة في القيادة الأمريكية، ويؤشر إلى عالم لم تعد فيه واشنطن قادرة على حشد الإجماع كما في السابق. في المقابل، تظهر قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، بمظهر أكثر استقرارًا، حتى لو لم تدخل المواجهة مباشرة. وهذه المقارنة، بحد ذاتها، تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز نتائج الحرب المباشرة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية قريبة للهيمنة الأمريكية يبقى سابقًا لأوانه. فالنظام الدولي لا يتغير بضربة واحدة، ولا تنهار الإمبراطوريات من حرب واحدة، مهما كانت كلفتها. هناك ما يمكن تسميته “قصورًا ذاتيًا” داخل الدولة الأمريكية: مؤسسات، مصالح اقتصادية، شبكات نفوذ، وصناعات عسكرية ضخمة، كلها تدفع باتجاه استمرار استراتيجية الهيمنة، حتى عندما تبدأ نتائجها في التراجع. هذا الثقل البنيوي قد يمنع أي تحول سريع نحو سياسة أكثر تواضعًا أو “ضبط النفس”.
هنا تكمن المفارقة: الحرب تكشف حدود القوة الأمريكية، لكنها لا تضمن تغيير سلوكها. قد تستمر واشنطن في السعي إلى الحفاظ على تفوقها العالمي، رغم تآكل فعاليته، لأن البدائل—سواء الانكفاء أو إعادة التموضع—تصطدم بمصالح متجذرة داخل النظام السياسي والاقتصادي. بهذا المعنى، قد تكون الحرب بداية إدراك، لكنها ليست بالضرورة بداية تحول.
في المحصلة، لا تقدّم حرب إيران جوابًا حاسمًا بقدر ما تفتح سؤالًا كبيرًا. هل نحن أمام لحظة أفول تدريجي للهيمنة الأمريكية، أم أمام مرحلة انتقالية تعيد فيها واشنطن تعريف أدواتها دون التخلي عن موقعها؟ المؤكد أن صورة “الهيمنة المطلقة” لم تعد قابلة للاستمرار كما كانت. أما ما سيأتي بعدها، فهو صراع مفتوح بين واقع يتغير، وقوة لم تحسم بعد كيف تتكيف مع هذا التغير.