احتقان و «هزات» في العالم العربي من دون مخارج

تحليل سياسي شامل لحالة الاحتقان في العالم العربي، من أزمات السودان وليبيا ولبنان وسوريا إلى التوتر الأردني والفلسطيني، وتصاعد الطموحات الإسرائيلية التوسعية، وانعكاسات الخلافات الإقليمية بين العراق والكويت وإيران، وصولاً إلى التحالفات الجديدة التي تقودها المملكة العربية السعودية في ظل تعقيدات المشهد الدولي بين واشنطن وطهران.

فبراير 26, 2026 - 07:53
 0
احتقان و «هزات» في العالم العربي من دون مخارج

 كتب عبد الهادي محفوظ:

 الاحتقان هو السمة البارزة للعالم العربي حاليا. تغيير في الأنظمة السياسية مفاجئ يستتبعه تفتيت وتشظي وطروحات اتنية وطائفية ومطالب اسرائيلية بالتوسع الجغرافي والهيمنة السياسية تحقيقا لفكرة توراتية بإقامة اسرائيل الكبرى.

والاحتقان في العالم العربي يحتاج إلى «تنفيس» ما. السؤال كيف؟ لا أحد يمتلك جوابا بسبب غياب «الرؤية العربية الجامعة». فالجامعة العربية إطار شكلي لا يحل الخلافات ولا يجمع. كما أن مجلس التعاون لدول الخليج يضم دولا تتراجع قواسمها المشتركة. وكل دولة تذهب إلى «حمايات خارجية». والأمر نفسه بالنسبة لدول المغرب العربي حيث يستدرج الخلاف بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية الخارج الدولي إلى المعادلة. أما حال السودان الغني بالمعادن والثروات والزراعة فالتشظي فيه يبلغ مداه. وكذلك الحال في ليبيا التي تطمع في نفطها دول كثيرة تتنازع على أرضها وتدير خلافاتها المستحكمة.

وماذا يقول المراقب السياسي عن مصر الدولة المحورية العربية: أشغلوها بسد النيل في أثيوبيا وبمشاكل السودان وبالحرب الاسرائيلية على غزة وبالمخاوف على سيناء.

لوحة الاحتقانات لا حدود لها. لبنان وسوريا معا جزء من هذا الاحتقان حيث يعاني البلدان من شروخ في الداخل ومن اعتداءات اسرائيلية متواصلة هدفها الجغرافيا والتطبيع والاستتباع.

وفي لوحة التوسّع الجغرافي الاسرائيلي يبدو من الواضح أن «اتفاق وادي عربة» لا يحمي الأردن. فتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن رسالة اسرائيلية إلى هزّ استقراره وإلى الخروج من التزامات الاتفاقات. وهذا ما دفع بالسلطات الأردنية إلى التجنيد الإجباري تهيّؤا لما هو آت.

وظاهرة التجنيد الإجباري برزت كذلك في دولة الكويت لكل من يبلغ سن الثامنة عشرة في ظل «فتور صامت» في العلاقات العراقية - الكويتية بسبب الخلاف على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. والملاحظ أن كلًا من العراق وايران رفع خرائطه الحدودية البحرية قبل أيام إلى الأمم المتحدة. وتبيّن أن بغداد رفعت الخرائط نفسها التي كان الرئيس السابق صدام حسين قد تبنّاها.

ماذا يعني هذا الأمر؟ يعني أن العراق مع صدام حسين كان معزولا ومحاصرا دوليا وعربيا واقليميا وأميركيا. أما الآن فإنه تحت الرعاية الأميركية واحتضان واشنطن التي تحتاج إلى أن يمتلك العراق حضورا بحريا على شط العرب ما ينذر بمشاكل آتية.

وفي كل الأحوال اسرائيل ليست بمعزل عن حالة الإحتقان. فالإنقسام يزداد في «بنية» المجتمع الاسرائيلي بين الاشكيناز (اليهود الغربيين) والسفرديم (اليهود الشرقيين). فالآباء الذين أسسوا دولة اسرائيل كانوا من اليهود الغربيين وشاؤوها «دولة علمانية». أما الآن فالذي يمسك بالدولة اليهودية فهو اليمين الديني اليهودي والذي بغالبيته من اليهود الشرقيين والمستوطنين والمحكومين بأفكار توسعية وبالحروب الدائمة والذين يسعون إلى احتواء الإحتضان بتأزيم الوضع مع المحيط تحت عنوان التوسع الجغرافي. وليس من قبيل المصادفة أن سياسة الأحلاف التي أقامتها اسرائيل مع اليونان وقبرص ومع الهند غرضها الرئيسي الهيمنة الجغرافية والسياسية وتوسيع رقعة الحرب باتجاه السنة والشيعة على السواء على ما تذهب إليه تصريحات هؤلاء.

هذه الصورة للواقع العربي دفعت المملكة العربية السعودية إلى أن تقيم حلفا ضمنيا مع باكستان وتركيا ومصر تحسبا للطوارئ المفاجئة الناجمة عن حالة الإحتقان العامة وفي ظل تداخل الخيارين العسكري والديبلوماسي لواشنطن وطهران وغموض الوضع وخوف العاصمتين المشترك من تداعيات غير متوقعة في حال غياب الإتفاق.