السعي للجسم المثالي.. قد يهدد "الدورة الشهرية":
كتبت شانتال عاصي في "الديار":
بين صور الأجسام "المثالية"، ووصفات الحميات القاسية التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي، تدفع آلاف الشابات أجسادهنّ يوميا إلى معركة صامتة مع الجوع والإرهاق. فخسارة الوزن السريعة باتت حلما شائعا، غير أن ثمنها في كثير من الأحيان لا يكون مجرد تعب مؤقت، بل اختلالات صحية عميقة، في مقدمتها فقدان الدورة الشهرية.
هذه الظاهرة، التي لم تعد نادرة، تفتح الباب أمام أسئلة مقلقة حول العلاقة بين التغذية القاسية، وصحة المرأة الهرمونية. وفي هذا الإطار، تشرح اختصاصية التغذية جولين نبهان لـ "الديار" أسباب هذا الخلل، مخاطره، وإمكانية تصحيحه.
فقدان الدورة الشهرية ونقص التغذية
تؤكد نبهان أن "فقدان الدورة الشهرية المرتبط بالتغذية، لم يعد حالة فردية أو استثنائية، بل أصبح أكثر شيوعا في السنوات الأخيرة، خصوصا مع الانتشار الواسع للحميات الغذائية القاسية التي تعد بنتائج سريعة". وتوضح "أن السبب الأساسي يعود إلى النقص الحاد في السعرات الحرارية، أو إلى حرمان الجسم من عناصر غذائية أساسية يحتاجها، للحفاظ على وظائفه الحيوية بشكل طبيعي. فعندما لا يحصل الجسم على الطاقة الكافية، يبدأ الدماغ بالتعامل مع الوضع على أنه تهديد مباشر للبقاء، فيتخذ قرارا وقائيا عبر خفض أو إيقاف الإشارات الهرمونية المسؤولة عن الإباضة".
وتشير الى "أن هذا التوقف لا يُعد خللا عشوائيا في عمل الجسم، بل هو استجابة فيزيولوجية ذكية، تهدف إلى حماية المرأة من استنزاف إضافي للطاقة، في وقت لا تتوافر فيه الموارد الكافية. فالجسم في هذه الحالة، يضع الحمل والتكاثر في أسفل سلم الأولويات، ويركز على تأمين الحد الأدنى من الطاقة اللازمة لاستمرار الوظائف الأساسية".
الرياضة القاسية واضطرابات الأكل
وبالانتقال إلى العوامل التي تزيد من حدة المشكلة، تشير نبهان إلى "أن الفتيات اللواتي يجمعن بين ممارسة الرياضة بشكل مكثف جدا، واتباع أنظمة غذائية شديدة الانخفاض بالسعرات الحرارية بهدف خسارة الوزن بسرعة، يُعدّن الفئة الأكثر عرضة لفقدان الدورة الشهرية". وتلفت إلى "أن هذا النمط بات شائعا بشكل خاص بين الشابات المتأثرات بمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يروّج للنحافة المفرطة والتمارين القاسية على أنها أسلوب حياة صحي".
وتقول "تزداد خطورة الوضع لدى الفتيات اللواتي يعانين من اضطرابات الأكل، حيث يدخل الجسم في حالة إجهاد مستمرة، نتيجة التقييد الغذائي الشديد والمجهود البدني المرتفع". وتوضح "أن هذا الضغط المزدوج لا يُرهق الجسم فحسب، بل يدفعه تدريجيا إلى تعطيل وظائفه الهرمونية، لأن الأولوية تصبح لتوفير الطاقة اللازمة للبقاء، وليس لتنظيم الدورة الشهرية أو الحفاظ على الخصوبة".
الآلية الهرمونية لانقطاع الدورة
وبعد توضيح العوامل الخارجية، تنتقل نبهان إلى شرح ما يحدث داخل الجسم، موضحة أن "نقص السعرات الحرارية يؤثر بشكل مباشر على المحور الهرموني، الذي يربط الدماغ بالمبيض. فعندما تنخفض الطاقة المتاحة، يتراجع إفراز هرمون GnRH من الدماغ، وهو الهرمون الأساسي الذي يُطلق سلسلة الإشارات الهرمونية المسؤولة عن الإباضة".
وبالتالي، تضيف نبهان، "يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض إفراز هرموني FSH وLH، وهما العنصران الأساسيان لتحفيز عمل المبيض. ومع استمرار هذا الخلل، ينخفض مستوى هرمون الإستروجين، ما يؤدي إلى اضطراب الإباضة أو توقفها بالكامل". وتشدد على "أن هذه السلسلة الهرمونية مترابطة بشكل دقيق، وأن أي خلل في بدايتها ينعكس تلقائيا على انتظام الدورة الشهرية وصحة المرأة الإنجابية".
الحميات النباتية ليست المتهم الأول
وتوضح "أن النظام الغذائي النباتي أو الخالي من بعض الأصناف الغذائية، ليس السبب المباشر لفقدان الدورة الشهرية، خلافا لما يعتقده البعض. فالمشكلة الحقيقية، لا تكمن في نوع النظام الغذائي بحد ذاته، بل في مدى توازنه وقدرته على تلبية احتياجات الجسم الأساسية".
وتؤكد أن "الجسم يحتاج إلى كميات كافية من البروتين، الحديد، فيتامين B12، الزنك، إضافة إلى الدهون الصحية، ليحافظ على توازن هرموني سليم". وتشدد على "أن أي نظام غذائي، مهما بدا صحيا أو شائعا، قد يتحول إلى خطر إذا لم يكن مخططا بشكل علمي ومدروس، لأن الجسم لا يستطيع أداء وظائفه الهرمونية، من دون توافر جميع العناصر الغذائية الضرورية".
دور التوتر وارتفاع الكورتيزول
وإلى جانب العوامل الغذائية، تضيف أن "التمارين الرياضية المفرطة، خاصة عندما تتجاوز قدرة الجسم على التحمل، تؤدي إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر". وتوضح أن "هذا الارتفاع لا يؤثر فقط على الصحة النفسية، بل ينعكس بشكل مباشر على التوازن الهرموني لدى المرأة".
وتضيف "عندما يبقى مستوى الكورتيزول مرتفعا لفترات طويلة، يدخل الجسم في حالة دفاعية، تركز على الوظائف الحيوية الأساسية فقط، ويُهمِل وظائف أخرى مثل الإباضة. وفي هذه المرحلة، يعتبر الجسم أن الحفاظ على الطاقة أولى من التكاثر، ما يفسر انقطاع الدورة الشهرية لدى العديد من النساء اللواتي يعشن تحت ضغط جسدي ونفسي متواصل".
مخاطر صحية لا يجب الاستهانة بها
وانطلاقا من هذه الآليات المعقدة، تحذّر نبهان من "أن فقدان الدورة الشهرية لفترات طويلة، لا يُعد أمرا بسيطا أو عارضا مؤقتا، بل قد يحمل مخاطر صحية جدية على المدى البعيد. وتشمل هذه المخاطر هشاشة العظام، نتيجة انخفاض هرمون الإستروجين، مشاكل في القلب، اضطرابات نفسية مثل القلق والتوتر المزمن، إضافة إلى احتمال الإصابة بالعقم".
كما تشير إلى "أن نقص الفيتامينات والمعادن المصاحب لانقطاع الدورة، قد يؤدي إلى إرهاق دائم وتراجع في جودة الحياة"، مؤكدة أن "تجاهل هذه الأعراض أو التعامل معها على أنها ثانوية، قد يفضي إلى مضاعفات يصعب علاجها لاحقا".
إمكانية استعادة الدورة والتوازن الصحي
وفي مقابل هذه المخاطر، تطمئن نبهان إلى "أن استعادة الدورة الشهرية ممكنة في معظم الحالات، لكنها تتطلب التزاما حقيقيا وصبرا". وتوضح "أن العلاج يبدأ بإعادة إدخال السعرات الحرارية إلى الجسم بشكل تدريجي، بالتوازي مع تخفيف شدة التمارين الرياضية، وجعلها ضمن الحدود الصحية".
كما تشدد على "أهمية اعتماد نظام غذائي متوازن يشمل جميع العناصر الغذائية، إلى جانب إجراء فحوص دورية ،للتأكد من عدم وجود نقص في الفيتامينات أو المعادن". وتلفت إلى "أن التوازن الهرموني لا يعود خلال أسابيع قليلة، بل قد يحتاج إلى عدة أشهر، لأن الجسم يحتاج إلى وقت ليشعر بالأمان ويعيد تفعيل وظائفه التناسلية بشكل طبيعي".
في الخلاصة، ما يبدو اليوم كطريق مختصر نحو "الجسم المثالي"، قد يتحوّل سريعا إلى مسار طويل من الخلل الصحي الصامت. فالدورة الشهرية ليست تفصيلا ثانويا يمكن التغاضي عنه، بل مرآة دقيقة لصحة المرأة الجسدية والهرمونية. وعندما يختار الجسم التوقف عن الإباضة، فهو يطلق إشارة استغاثة واضحة، بأن التوازن مفقود، وأن الكلفة أصبحت أعلى من القدرة على الاحتمال.
وبين ضغط المعايير الجمالية القاسية والإغراء بحلول سريعة، تبقى العودة إلى الاعتدال، احترام حاجات الجسد، والتعامل مع التغذية والرياضة كوسيلة للحفاظ على الصحة لا لاستنزافها، هي الطريق الأكثر أمانًا. فالعافية الحقيقية لا تُقاس برقم على الميزان، بل بقدرة الجسم على العمل بانسجام... دون أن يضطر للدفاع عن نفسه.


