البهلوان والغلام: في نقد ثقافة الهزيمة المُتثاقفة
كتب باسم الموسوي:
ثمة ظاهرة لافتة تعشش في فضائنا الثقافي والإعلامي، لا تكفّ عن إنتاج نفسها وتجديد عروضها وتغيير قناعها مع كل محطة فارقة في تاريخنا المعاصر: ظاهرة المثقف الذي يُحسَب أنّه يكسر المألوف، ويخرج على السائد، ويجاهر بما يخشى غيره قوله، فإذا به، حين تُزاح الطنطنة جانباً ويُدقَّق النظر في بضاعته، لا يعرض علينا سوى مزيج من المقدمات المبتورة والمنقوصة يُستعلى بها على ضحايا لا على جلادين، ووقاحة يُحسبها صاحبها شجاعة فكرية لأنّها لا تُصوَّب إلا نحو الأضعف والأكثر مظلومية.
لنسمِّ هذه الظاهرة بما تستحق: إنّها ثقافة الهزيمة المُتثاقفة، أي تلك الحالة الذهنية التي لا تكتفي بالاستسلام للواقع كما فرضته القوى المهيمنة، بل تُنتج له مسوّغاته المعرفية وتُصادر من خلاله مفاهيم النقد والجرأة والتجديد لتضعها في خدمة أصحاب القوة والغلبة.
الخروج على المألوف أو وهم الجرأة
يتّكئ هذا النوع من المثقفين على صورة ذاتية يُسوِّقها عن نفسه: إنّه الجريء الذي يسمي الأشياء بأسمائها، المختلف عن القطيع، الذي لا يهابُ الإدانة الشعبية. وهذه الصورة كافية لاستهواء جمهور واسع يتوق إلى من يُحرجهم من أنفسهم، أو يمنحهم امتياز الشعور بأنّهم يمارسون التفكير النقدي.
غير أنّ هذا الخروج المزعوم على المألوف لا يكون في الغالب إلا خروجاً على ضعفاء بعينهم، في قضايا بعينها، بينما تُصان القواعد الكبرى الموروثة سليمةً. فأن تُدين المقاومة الفلسطينية أمام جمهور غربي أو مُغرَّب، وأن تُبرئ المشروع الصهيوني مُستتراً بلغة المنطق وموازين القوى، ليس خروجاً على المألوف قط، بل هو المألوف الأكثر رواجاً وتحظياً لدى مراكز القوى ودوائر الهيمنة الثقافية.
الجرأة الحقيقية هي في وجه آخر تماماً: في قول ما يُكلّف صاحبه ثمناً، لا ما يُكسبه قبولاً ومديحاً ممن يملكون قوة التوزيع وصكوك الاعتراف.
منطق العبرة بالنتيجة: مغالطة مزدوجة
تحضر طوفان الأقصى نموذجاً فاقعاً يكشف آليات هذا التفكير. يصوّر المثقف التبريري هذه العملية على أنّها “جريمة” دليله على ذلك ما أعقبها من إبادة وخراب. وهذا ضرب من المغالطة المنطقية المزدوجة.
أولاً، إنّه منطق العبرة بالنتيجة: تُحكم على الفعل بناءً على ما نتج عنه وليس بناءً على سياقه وأسبابه وطبيعته. وبهذا المنطق يمكن إدانة كل ثورة وكل مقاومة حين يُفضي عليها الجلاد بسطوته كاملة.
ثانياً، هو منطق يُزيح مفهوم السببية من دائرة التحليل. فحين تُقطع العملية عن تاريخ مديد من الاحتلال الاستيطاني والتهجير والحصار والإذلال اليومي، لا يغيب السياق فحسب، بل تُحلّ محلّه سببية عرجاء تنتقي من الأحداث ما يلائم خلاصة سبق التوصل إليها.
الأدهى أنّ من يلجؤون إلى هذه الآلية يُفقدون أنفسهم أداة التمييز ذاتها: فلأنّهم لا يُدخلون التاريخ والسياق في قراءتهم، لا يستطيعون في نهاية المطاف أن يعرفوا أين يمكن نقد المقاومة بجدية ونزاهة، فتغدو إدانتهم إجمالية وعشوائية، لا تُفيد نقداً بل تُفيد تبرئةً للجلاد.
الفكر في خدمة السياق أو خارجه
يعمد هؤلاء أيضاً إلى اختزال الفكر الديني لحركات المقاومة في تصنيف جاهز ومغلق، كأنّ الفكر الإسلامي السياسي لدى من يخوض صراع تحرر ضد احتلال استيطاني هو الفكر ذاته لمن يعمل في خدمة هذا الاحتلال، وكأنّ من يقاوم في غزة ومن يحكم في ماليزيا ومن يسيّر حياةً يومية في تونس ينطلقون من منظومة فكرية واحدة يصلح اختزالها في وصف أحادي.
هذا الإجراء الإلغائي للسياق ليس هفوة تحليلية بل هو اختيار منهجي. فحين يُجرَّد الفكر من شروطه المادية والتاريخية يصبح من السهل إدانته بالجملة، وهذه الإدانة الجزافية تخدم غرضاً واحداً: التمهيد لإلغاء المقاومة من حيث هي مقاومة، قبل أي نقاش جدي حول صواب خياراتها وأخطائها.
التخطيط في عالم لم يعد قائماً
ممّا يكشف هشاشة هذه القراءات أنّها تغفل البُعد الزمني للحدث. جرى التخطيط لعملية طوفان الأقصى في سياق عالمي مغاير تماماً للذي انكشف بعد تنفيذها. كان العالم في ذهن القائمين عليها عالماً تُبادل فيه إسرائيل آلاف الأسرى مقابل أسير واحد، عالماً لا تخوض فيه إسرائيل إلا حروباً خاطفة، عالماً لا تزال فيه ثمة قيم كونية ولو في صيغتها النيوليبرالية المزيّفة.
لكن ما انكشف بعدها هو عالم مختلف جذرياً: عالم أتت فيه ضواري الغرب بترسانتها كاملة لتُباد حارتان صغيرتان، عالم أسدلت فيه الأنظمة العربية ستار التطبيع ووقفت متفرجة بل مُتواطئة، عالم أسقطت فيه نهاية العولمة الغطاءَ الإنساني الأخير لأي ادّعاء بالكونية.
أن تحاكم العملية بمعطيات ما بعدها هو ضرب من محاكمة الأحياء بمعرفة الأموات.
الإبادة دليلُ ضعف لا عنوانُ قوة
لعل أخطر ما يُفوته المثقف التبريري هو قراءة ما تعنيه هذه الإبادة ذاتها. يُقدَّم دكّ المدن وتسوية الأحياء بالأرض وتهجير الشعوب على أنّه دليل على القوة الساحقة التي لا تُقاوَم. غير أنّ ثمة قراءة مغايرة تماماً ومدعومة بمنطق السياسة وعلم الاجتماع العسكري معاً: الإبادة، حين لا تُنجز الحسم، هي أكبر إعلان عن الإفلاس الاستراتيجي.
نظام لا يقدر على إخضاع حيٍّ واحد من غير أن يُوجد حوله القوى الإمبريالية الكبرى كلها، نظام لا تستقيم له الهيمنة وتبقى له القوة الغاشمة فحسب، نظام يُبادُ على أيديه عشرات الآلاف ولا يصل إلى نقطة حسم سياسي: هذا نظام يعلن بالدم عن تعفّنه لا عن عظمته.
القوة الخشنة العارية علامة على اهتراء الشرعية. والإبادة التي لا تُنجز الخضوع دليلٌ على هزيمة إستراتيجية عميقة، حتى حين تبدو في صورة الغلبة العسكرية الساحقة.
سلالة المخبر المحلي
خلف هذه المواقف تاريخٌ فكري وطبقي معروف. كنعان مكية وفؤاد عجمي وأمثالهم ليسوا حوادث فردية، بل هم نموذج يتجدد لكل جيل: المثقف المنتسب أصلاً إلى اليسار أو إلى خطاب التحرر، الذي يجد في خدمة أعداء شعبه مساراً للحظوة والاعتراف والنشر والمنابر. يحمل هذا المثقف أدوات خطابية مستعارة من تراث النقد، يستعملها لا في نقد السائد الإمبريالي، بل في تفكيك مقاومة الضحايا وتشريحها بلغة تبدو محايدة وهي في جوهرها خادمة للمشروع المهيمن.
وما يُضاف عليه في النسخ الراهنة هو الغرور المضاعف لمن لا يملك حتى رصيد المكية وأمثاله من قراءة جادة ومعرفة حقيقية، بل يختصر المسار إلى جرعة من الاستفزاز الرخيص والمصطلح المستورد وقليل من الوقاحة تُباع كلّها بوصفها جرأة فكرية.
لعل الخلاصة التي لا مفر منها هي أن المقياس الحقيقي للجرأة الفكرية ليس في من تُدين، بل في أيّ اتجاه تُصوِّب إدانتك. ثقافة تُدين الضحية وتُبرِّئ الجلاد وتُسمّي ذلك خروجاً على المألوف وكسراً للقطيع ليست ثقافة نقدية؛ إنّها في أحسن أحوالها جهل مُزيَّن، وفي أسوئها خيانة تتوشّح بالمفاهيم


