الجمهورية اللبنانية وجنوبها: صراع الجغرافيا والعقيدة وإرادة المقاومة
كتب د أسامة توفيق مشيمش:
لم تكن الجمهورية اللبنانية، منذ نشأتها، كيانًا سياسيًا معزولًا عن محيطه أو عن تناقضاته الداخلية، كما لم يكن جنوبها، وتحديدًا أبناء جبل عامل الذين أُطلق عليهم لاحقًا اسم “الجنوبيين”، طرفًا هامشيًا في معادلات الصراع الإقليمي. هؤلاء عانوا ما عانوا من القهر والإهمال والتهميش، لكنهم لم يُسلبوا يومًا إرادة المواجهة ولا خيار المقاومة، لا بدافع العاطفة، بل بحكم الجغرافيا أولًا، وبحكم العقيدة ثانيًا.
فالموقع الجغرافي للجنوب جعله في قلب الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، صراع لم يكن يومًا سياسيًا صرفًا، بل تداخل فيه البعد الديني مع البعد التاريخي، ما جعل من هذا الصراع حالة مركّبة تتجاوز حدود الدولة ووظائفها التقليدية. وقد شكّل المعتقد الديني لأبناء هذه المنطقة عنصرًا أساسيًا في وعيهم للصراع، لا باعتباره صراع حدود، بل صراع وجود وهوية.
شهدت البيئة الشيعية في جبل عامل تحولات فكرية وعقائدية عميقة، أبرزها الانتقال من الاثني عشرية الإخبارية إلى الاثني عشرية الأصولية، وهو تحوّل لم يكن انقطاعًا عن التاريخ بقدر ما كان إعادة قراءة له. ومع ذلك، لم يمنع هذا التحول من تفكيك وإزالة بقايا الموروث الديني الإسماعيلي الذي ترسّخ إبّان الحكم الفاطمي في بعض مناطق الجنوب، ما يدل على ديناميكية داخلية وقدرة على إعادة إنتاج الذات وفق مقتضيات المرحلة.
ليس من الدقة القول إن التاريخ يعيد نفسه، بل الأصح أن الحياة في هذه المنطقة تدور في حلقات تبدأ من الصفر لتعود إليه، في حركة دائرية لا تعرف السكون. فالشرق الأوسط، وهذه البقعة تحديدًا، لم تعرف يومًا الاستقرار، لأن الصراع فيها ليس سياسيًا فحسب، بل متجذر في بنى دينية وفكرية ترى في الاختلاف تكفيرًا، وفي التنوع تهديدًا.
اليهودية والمسيحية والإسلام، في تجلياتها السياسية، تحمل في تراثها تيارات تكفّر أبناءها قبل أن تكفّر غيرهم، ما يجعل الإيديولوجيا أقوى من الأشخاص والمناصب، وأعلى من فخامة الرؤساء ومعالي الوزراء. فهؤلاء، مهما علت مواقعهم، غالبًا ما يكونون جزءًا من برامج عمل أوسع، تُدار من قِبل دول الاستكبار والاستعمار، وتُنفَّذ بأدوات محلية.
من هنا، لا ينبغي أن نتعجب من حالة “التطنيش” الرسمية حيال ما يجري في الجنوب، لا في ماضيه البعيد ولا في حاضره القريب. فالتاريخ شاهد على تخاذل السلطات المتعاقبة، وعجزها أو تواطئها، في حماية هذه المنطقة وأهلها. لذلك، لم ولن يكون أبناء الجنوب تحت رحمة سلطة بوجهين، تتبرأ من تعهداتها عند أول اختبار، وتظنّ واهمة أنها قد تمكنت.
إن إرادة المقاومة لم تكن خيارًا عابرًا، بل كانت، وما زالت، تعبيرًا عن وعي جمعي تشكّل في رحم المعاناة، وتحصّن بالتاريخ، وتكرّس بالجغرافيا.


