حين يتحول الاستنزاف إلى انتصار: منطق الحرب التي لا تُحسم

أبريل 28, 2026 - 08:04
 0
حين يتحول الاستنزاف إلى انتصار: منطق الحرب التي لا تُحسم

كتب باسم الموسوي :

ليست كل الحروب تُحسم بالمعنى التقليدي للنصر والهزيمة. ثمة حروب تُقاس نتائجها بطريقة مختلفة تماماً: لا بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يفرض قواعد اللعبة، ومن يستطيع أن يجعل الزمن يعمل لصالحه. الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي من جهة أخرى، تنتمي إلى هذا النوع تحديداً؛ حرب تتفكك فيها المفاهيم الكلاسيكية للنصر، وتُعاد صياغتها في منطق الاستنزاف والقدرة على الاحتمال.
من الناحية العسكرية البحتة، لا مجال للشك في اختلال التوازن. تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات ضرب دقيقة، وتفوقاً تكنولوجياً هائلاً، وحرية عمل واسعة في استهداف البنية التحتية والقيادات. وقد أثبتت العمليات المتكررة أن هذا التفوق ليس نظرياً، بل فعّال وقادر على إحداث أضرار كبيرة. غير أن هذا التفوق، على وضوحه، لم يتحول إلى نتيجة سياسية حاسمة. فالنظام الإيراني لم ينهَر، وشبكاته الإقليمية لم تتفكك، وقدرته على الرد لم تُشلّ.
هنا يبدأ الخلل في القراءة التقليدية للحرب. إذ يفترض هذا النوع من القراءة أن القوة العسكرية، إذا استُخدمت بكثافة كافية، ستُنتج في النهاية نتيجة سياسية مطابقة. لكن ما يجري يُظهر عكس ذلك: المشكلة ليست في نقص القوة، بل في غياب هدف سياسي قابل للتحقق عبر هذه القوة. فالرهان على إسقاط النظام الإيراني أو إعادة تشكيل سلوكه جذرياً يواجه واقعاً مختلفاً: دولة مبنية على الصمود، وشبكات ممتدة، واستعداد لتحمّل كلفة طويلة الأمد.
في هذا السياق، لا تلعب إيران لعبة الحسم، بل لعبة الزمن. هي لا تسعى إلى هزيمة خصومها عسكرياً، بل إلى إفشال أهدافهم، وتعقيد مساراتهم، ورفع كلفة استمرارهم في الحرب إلى حد تصبح معه غير قابلة للاستدامة. إنها استراتيجية تقوم على “التوريط” لا “الغلبة”: توسيع ساحة الصراع، نقل الضغط إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وإبقاء الخصم في حالة انخراط دائم دون أفق واضح للنهاية.
وهنا يبرز مضيق هرمز كأحد أهم أدوات هذه الاستراتيجية. فليس ضرورياً أن تُغلقه إيران بالكامل كي تحقّق تأثيراً استراتيجياً؛ يكفي أن تجعله نقطة ضغط دائمة على الاقتصاد العالمي، وأن تربط أي تصعيد عسكري بارتدادات مباشرة على تدفقات الطاقة والأسواق. في هذه اللحظة، يتحول الجغرافيا إلى سلاح، والزمن إلى حليف.
من هذه الزاوية، يصبح الحديث عن “حرب بلا فائز” موضع تساؤل. فالحرب التي يفشل فيها طرف متفوق عسكرياً في تحقيق أهدافه، بينما ينجح الطرف الأضعف في منع ذلك، لا تكون بلا نتيجة. بالعكس، قد تكون نتيجتها واضحة: انتصار استراتيجي لمن استطاع أن يفرض منطق الاستنزاف. إيران، في هذا المعنى، لا تحتاج إلى نصر تقليدي؛ يكفيها أن تمنع خصومها من تحقيق نصرهم.
في المقابل، يُطرح أحياناً أن أحد أسباب تعثر الحسم يعود إلى اختلاف الأهداف بين واشنطن وتل أبيب: الأولى تميل إلى الاحتواء والتفاوض، والثانية تسعى إلى نتائج قصوى تصل إلى حد تغيير النظام. لكن هذا التفسير، رغم وجاهته الظاهرية، قد يُخفي حقيقة أعمق: أن الهدف النهائي، في جوهره، مشترك، حتى لو اختلفت الأدوات. فكلا الطرفين، بدرجات متفاوتة، يسعى إلى تقليص قدرة إيران على الفعل الإقليمي، بل وربما إلى إعادة تشكيل نظامها السياسي إذا أتيحت الفرصة.
الاختلاف إذن ليس في الغاية، بل في الوسيلة. وهذا بحد ذاته لا يكفي لتفسير غياب الحسم، لأن المشكلة الأساسية تبقى في طبيعة الخصم نفسه. إيران ليست هدفاً ساكناً يمكن تفكيكه بضربات مركزة، بل نظاماً مرناً قادراً على التكيّف، وشبكة علاقات تمتد عبر الإقليم، تجعل أي مواجهة مباشرة معها عرضة للاتساع.
ومع مرور الوقت، تتعقد المعادلة أكثر. فالتصعيد لا يصبح فقط مسألة إرادة سياسية، بل أيضاً مسألة قدرة. التقارير التي تشير إلى استنزاف جزء معتبر من المخزونات الصاروخية الأمريكية تفتح سؤالاً جديداً: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في وتيرة العمليات الحالية دون أن تتحول الحرب نفسها إلى عبء لوجستي واستراتيجي؟ في هذه المرحلة، لا يعود السؤال “كم يمكن أن نضرب؟”، بل “كم بقي لدينا لنستمر؟”.
في الوقت نفسه، تتجاوز آثار الحرب حدود الميدان. أي تصعيد إضافي يهدد بتوسيع دائرة الرد الإيراني لتشمل دول الخليج، وباستهداف البنية التحتية للطاقة والمياه، ما يفتح الباب أمام أزمة إنسانية وإقليمية واسعة. وهنا يتضح أن كلفة الحرب لم تعد محصورة في طرفيها المباشرين، بل أصبحت نظامية، تمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والاستقرار السياسي في مناطق واسعة.
في ضوء كل ذلك، تتبدى صورة الحرب بشكل مختلف: ليست حرباً تتجه نحو ذروة حاسمة، بل صراعاً يستقر تدريجياً في نمط متكرر من الضربات والهدنات المؤقتة والمفاوضات غير المكتملة. إنها حرب تتحرك دون أن تتقدم، وتستمر دون أن تُحسم.
لكن داخل هذا الجمود الظاهري، يعمل عامل واحد بوضوح: الزمن. وكلما طال أمد الصراع، ازداد الضغط على الاقتصاد العالمي، وتزايدت الكلفة السياسية على الأطراف المنخرطة فيه، وتعزز موقع الطرف القادر على الصمود. وهنا تحديداً تكمن المفارقة: الزمن، الذي يُفترض أن يكون عاملاً محايداً، يتحول إلى أداة ترجيح.
في النهاية، لا تُحسم هذه الحرب بميزان القوة وحده، بل بتقاطع الأهداف والكلفة والقدرة على الاحتمال. وإذا كان معيار النصر هو تحقيق الأهداف المعلنة، فإن الإجابة تصبح واضحة: التحالف المتفوق عسكرياً يواجه صعوبة متزايدة في تحقيقها، بينما الطرف الأضعف ينجح في منع ذلك. وفي عالم الاستراتيجية، هذا ليس تعادلاً. هذا شكل مختلف من الانتصار.