بعدما رفع «الرئيس» صوته عالياً... لماذا اليوم ومَن المُستَهدف!؟
كتب جورج شاهين في "الجمهورية":
توقفت مراجع سياسية أمام السقف العالي الذي تميَّز به ردّ رئيس الجمهورية جوزاف عون على كلمات أعضاء وفد اتحاد بلديات حاصبيا والعرقوب، الذي زاره أمس، بحثاً عن الرسائل التي قصدها وما فاض من صراحته في توصيفه لـ «الخيانة»، أمام وفد «عبّر أعضاؤه عن تمسّكهم بالدولة ومؤسساتها»، وخصوصاً أنّها جاءت عشية اللقاء الذي سيجمع أهل الحكم في بعبدا غداً. وعليه، ما الذي قصده الرئيس؟ ولماذا اليوم؟ ومَن هو المستهدف؟
قبل الدخول في أي سيناريو يمكن أن تقود إليه التطوُّرات الأخيرة على أكثر من مستوى، ولا سيما على مستوى النتائج التي ترتبت على اللقاء الثاني لـ «طاولة واشنطن 2»، توطئة للبحث في مسائل أخرى التي يمكن مقاربتها باللغة الديبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، برزت المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية أمس، أمام وفد من اتحاد بلديات حاصبيا والعرقوب، الذي طالب الرئيس عون بـ «عودة الدولة إلى المنطقة، وبشمول أراضيهم وممتلكاتهم في أي مفاوضات ستحصل لأنّها أراضٍ لبنانية». وهو ما فتح الباب واسعاً ومعه الشهية، على مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تقود إلى تفسيرها في شكلها وتوقيتها ومضمونها، والجهة المقصودة منها.
وقياساً على حجم الاستحقاقات التي على البلاد أن تستعد لمواجهتها، واستيعابها في أفضل الظروف، يمكن الغوص في تفنيد الأسباب التي قادت رئيس الجمهورية إلى إطلاق سلّة المواقف هذه، ولا سيما تلك التي شكّلت رداً بطريقة مباشرة أو مواربة على سيل من الاتهامات القاسية التي تعرّض لها، ومعها موجة التجريح التي يقودها أركان محور رافضي عملية «حصر السلاح»، عدا عن الإحتقان الذي تولّده موجات التحريض التي توسعت إلى المدى الأقصى، بعدما تمّ الربط بين قرارات مجلس الوزراء الأخيرة وما آلت إليه المفاوضات، وكأنّها تستهدف طائفة محدّدة.
ولذلك كلّه، قد يكون رئيس الجمهورية وجد نفسه مضطراً للردّ على هذه الموجة التي قد تهدّد في مكان، ما تحقق من أمن واستقرار بالحدّ الأدنى في بعض المناطق الحساسة، على رغم من مجموعة التقارير الأمنية والاستخبارية التي تستبعد إمكان وقوع ما يثير الفتنة، ولا سيما السنّية - الشيعية منها، بعد نجاح المبادرة السعودية تحديداً في لجم الاستفزازات التي يمكن أن تقود إلى شارعَين متواجهَين بطريقة قد يصعب ضبطهما في لحظة تخلٍ، وخصوصاً أنّ مَن يهدّد بها بات في قلب المأزق، وليس هناك أي إمكانية للخروج من العمق الذي بلغه.
ولهذه الأسباب وأخرى متعدِّدة، أكّدت مصادر متابعة، أنّ أصحاب حملات التجريح يبنون مواقفهم على توقعات مسبقة لا أساس لها من الصحة، وقد بُنيَ معظمها على مجموعة من السيناريوهات الخطيرة التي لم يردها لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ومعهما الساعين إلى تدارك مخاطر استمرار التشنّج الإيراني - الإسرائيلي وما أعاق استئناف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ما جعل الساحة الجنوبية مسرحاً لها. فمشاريع التحرير لأراضٍ محتلة سقطت، ومعها شعار الدفاع عن لبنان، لمجرّد أنّ النقاش كان دائراً لتحرير خمس تلال محتلة، وبات يهدف إلى استعادة 55 مدينة وقرية احتلّتها إسرائيل أو تسيطر عليها بالنار، وبعد أن كانت مشاريع إعادة الإعمار تستهدف قرى محدودة، باتت الحاجة ماسّة إلى إعادة إعمار مناطق واسعة مُسحت بالأرض، وارتفع عدّاد الشهداء حتى الأمس إلى 2521 شهيداً إضافة إلى مفقودي الأثر، وارتفع عدد الجرحى إلى 7804 ومعهم عدد الأسرى الجدد، عدا عن موجات التهجير التي يعيشها مئات آلاف الجنوبيّين على طريق العودة إلى قراهم أو العودة منها في ساعات محدودة.
وإلى هذه الملاحظات، فقد توسعت المراجع السياسية في فهمها للهجة رئيس الجمهورية العالية، لتقول إنّ البديل الذي يتحدّث عنه معارضو المفاوضات، لا يشير إلّا إلى المزيد من العمليات العسكرية التي قادت إسرائيل إلى مجرى الليطاني، وإن أصرّت على هذا الأسلوب قد يصبح مجرى الأولي هدفاً ثانياً لها، ومن بعده يمكن أن يصبح مجرى نهر بيروت هدفها التالي، في ظل فقدان أي توازن في قدرات الطرفَين، وإنّ النتائج المترتبة على البلد لا تُقدّر بحجم الخسائر المباشرة، لأنّها قد تؤدّي إلى الإنهيار الشامل، في بلد ليس لديه قدرات إيران وإسرائيل.
ولذلك كلّه، لا يمكن لأي عاقل في موقع المسؤولية أن يتحمّل بناء المواقف التصعيدية على شائعة أو تصريح لمسؤول إسرائيلي أو تسريبة خبيثة لإحدى القنوات، يعرف الجميع الهدف منها وغايتها، في ظل الأزمات الداخلية التي يعيشها رئيس حكومتها. وهي مواقف وتسريبات لا يتحمّل مسؤوليّتها رئيس الجمهورية. وهو عندما رفض أي اتصال هاتفي يجمعه بنتنياهو لم ينتظر نصيحة من أحد لا بل سعى إلى دعم موقفه الرافض لدى العديد من القادة العرب النافذين لدى الإدارة الأميركية، وهو لم ولن ينتظر رأياً من أحد يدلّه إلى ما هو مطلوب، طالما أنّه هو المسؤول عن مسار المفاوضات، وهو لا ينوي المضي فيها من دون الحدّ الأقصى من الإجماع الممكن، لكنّه بالتأكيد لا ينتظر نصيحة ممّن قاد البلد إلى «الانتحار الجماعي»، من دون أن يسال أحداً، ليحاسب المسؤولين لاحقاً عن آلية استيعاب ما جنته مغامراته المتهوِّرة المنقادة من الخارج.
ولهذه الأسباب وأخرى أكثر تفصيلاً، واضح أنّ ما أراده رئيس الجمهورية من خطابه، كان الردّ على حملات التجنّي التي قد تُفقد البلد فرصة ذهبية تنهي الحرب. وبالتأكيد لا يستهدف اللقاء المنتظر مع رئيسي مجلس النواب والحكومة غداً، في ظل حرصه على وحدة أهل الحُكم والسعي إليها، مع أنّ أي تغيير مرتقب في موقف الرئيس بري، أو أي جديد يعزّز الموقف الرسمي بشكل أكيد ليس مضموناً بعد.


