لبنان ليس ساحة حرب بالنيابة 

مارس 3, 2026 - 11:58
مارس 3, 2026 - 18:06
 0
لبنان ليس ساحة حرب بالنيابة 

 كتب د علي بيضون:

ما أقدم عليه حزب الله من فتح جبهة عسكرية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية يشكّل انتهاكاً صريحاً لإرادة اللبنانيين ولمبدأ سيادة الدولة وقرارها الحصري في الحرب والسلم. لبنان، المنهك اقتصادياً والممزق اجتماعياً، لا يحتمل مغامرات عسكرية تُتخذ خارج المؤسسات الدستورية، ولا يملك ترف الدخول في حروب لا تخدم مصلحته الوطنية ولا تحمي شعبه.

الأخطر في هذه الخطوة أنها جرّت العدو إلى تنفيذ خطط تهجير ممنهجة لقرى الجنوب اللبناني، عبر القصف والتدمير والضغط الأمني، ما أدى إلى نزوح آلاف العائلات من بيوتها وقراها. هذا الواقع لا يهدد فقط النسيج الاجتماعي والإنساني، بل يفتح الباب عملياً أمام احتمالات احتلال هذه القرى أو تحويلها إلى مناطق عازلة فارغة من أهلها، وهو ما يشكّل خطراً مباشراً على السيادة اللبنانية وعلى مستقبل الجنوب.

ومن الخطأ اختزال الطائفة الشيعية بموقف حزب أو قيادة عسكرية. فشريحة واسعة من اللبنانيين الشيعة، كما سائر اللبنانيين، ترفض الزجّ بلبنان في حروب عبثية، وتدفع اليوم ثمن التهجير والدمار والخسارة، من دون أن تكون شريكة في القرار أو قادرة على الاعتراض العلني.

وقد جاء موقف الحكومة اللبنانية البارحة ليؤكد، ولو نظرياً، هذا المبدأ الوطني، إذ شددت في بيانها على أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة اللبنانية، ورفضت أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار الشرعية، معتبرة أنها تشكّل انتهاكاً للسيادة وتعرّض البلاد لمخاطر جسيمة. كما أكدت التزامها بمنع استخدام لبنان ساحة صراع، ودعت إلى تحرك دبلوماسي لوقف التصعيد وحماية المدنيين.

إن حماية الأرض لا تكون بتفريغها من سكانها، ولا بتحويل المدنيين إلى وقود لصراعات إقليمية. ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان تجارب مريرة دفع اللبنانيون ثمنها وحدهم، فيما بقي القرار خارج يد الدولة، والمحاسبة غائبة.

قرار الحرب لا يمكن أن يكون قرار حزب أو فصيل، مهما كانت شعاراته أو تاريخه. الدولة اللبنانية وحدها، عبر مؤسساتها الشرعية، تملك الحق الدستوري في تقرير مصير البلاد وأمن شعبها. أي سلاح خارج هذا الإطار هو تهديد مباشر للسلم الأهلي، ولما تبقى من كيان الدولة.

إن غالبية اللبنانيين لا يريدون هذه الحرب، ولا يقبلون أن يُستخدم وطنهم منصة صراع أو ورقة تفاوض. المطلوب اليوم ترجمة موقف الحكومة من بيان سياسي إلى مسار فعلي يعيد الاعتبار للدولة، ويمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، ويؤكد أن لبنان لا يُحمى إلا بشعبه ومؤسساته، لا بتدميره باسم حمايته.