الدولة و "البعض" والحرب الباردة
كتب سامر زريق في "نداء الوطن":
تعرّضت كلمة رئيس الجمهورية من بكركي لانتقادات هائلة تعدّ الأوسع والأعنف منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية، حيث بدا الرئيس جوزاف عون وكأنه محلّ تصويب مزدوج من القاعدة الشعبية لميليشيا "حزب الله" ومؤثريه وإعلامييه، كما من معارضيها.
وإذا كانت الفئة الثانية أخذت عليه بحدّة عدم ذكر ميليشيا "الحزب" بشكل صريح، واستخدام مصطلح "البعض"، فإن موقعه والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، ودقة الظرف الراهن، تفرض عليه التحفظ الشديد، لأن الموقف بعد صدوره يصعب التراجع عنه. لذلك يزِن رئيس الجمهورية كلامه ومواقفه بـ "ميزان الصائغ"، ولا سيما بعد "موقعة" السفير الإيراني محمد رضا شيباني، وما صاحبها من توترات، وتلويح بافتعال صراعات داخلية.
ومع ذلك، استطاعت الدولة إخراج الصراع مع "الحرس الثوري" إلى الحيّز العلني، ضمن مساعيها لإظهار جديتها أمام الفاعلين الخارجيين في نقل العلاقة مع إيران من منطق الساحة التابعة إلى الندية المطلوبة، والتي لا تزال تحتاج المزيد من الخطوات. وما قاله الرئيس إزاء مسألة السفير الإيراني يجعل العلاقة مع طهران بحكم المجمّدة، ويجبرها على مخاطبة السلطة والالتزام بمعاييرها المحدثة، وأولها فصل المسارات.
توازيًا، لا يريد رئيس الجمهورية القطيعة الكاملة مع ميليشيا "الحزب"، أكان مباشرة أم عبر الرئيس نبيه بري، إذ تعتبر بعبدا أن موجبات المرحلة تفرض عليها مهمة حراسة الكيان من الانشطار أو الزوال. وبالتالي فإن استراتيجيتها ترتكز على الإمساك بكل الخيوط مهما كانت واهية، وإدارة علاقة معقدة مع الميليشيا، ولا سيما أنها في أجواء القرار الدولي الكبير بتفكيك منظومتها المسلحة، وسيناريواته المحتملة.
كما إن ثمة تقارير ترد إليها تظهر مدى حراجة وضع الميليشيا، وعدم تورّعها إزاء ما تكابده من خسائر كارثية، دفعتها إلى تطبيق سياسة تجنيد للفتيان ولعناصر غير لبنانية، عن الاعتداء على الدولة ومؤسساتها، وتفجير التوازنات الداخلية الهشة. لذا تفضل بعبدا إبقاء الصراع معها في خانة "البعض" والحرب الباردة، إلى جانب تظهير المواقف التي تثبت خروج الدولة من موقع الخضوع للدويلة، إلى موقع الوسيط الممهّد لعملية الاحتواء، في خطوة تسبق الانتقال نحو الصراع المباشر.
ما رمى إليه رئيس الجمهورية من خطابه في عيد الفصح هو إرساء 3 ثوابت: أولًا، وجود الدولة، حيث كان اختيار منبر بكركي فعلًا متعمدًا لما تمثله من رمزية على صعيد كينونة لبنان واستمراريته، بعدما كان يعتزم توجيه خطاب إلى اللبنانيين من مقر الرئاسة.
ثانيًا، تسييج السلم الأهلي بخط أحمر رئاسي دولتي، مقترن برسالة مثقلة الحمولة "زمن 1975 انتهى والظروف تغيرت"، في إشارة إلى أن الجيش لن يكون محايدًا، ولن يبقى في ثكناته ومواقعه، وسيتحرك على إيقاع قرارات السلطة السياسية.
ثالثًا، التفاوض والحل الدبلوماسي عبر الدولة وحدها. غير أن ظروف هذا التفاوض لا تزال غير ناضجة، إذ تحتاج إلى إرادة سياسية منقوصة الإجماع الوطني في ظل الارفضاض الشيعي راهنًا. إلى جانب موافقة الطرف الآخر، إسرائيل، والجهة الضامنة، أميركا، والوسطاء مع تنويعهم وعدم الاقتصار على باريس فقط. وفوق ذلك مواد التفاوض التي تتصدرها أولوية المواجهة السياسية والعسكرية والأمنية مع ميليشيا "الحزب".
حتى اللحظة، لا تزال تكلفة أي مواجهة من هذا النوع أعلى من عدم المواجهة والترقب، خصوصًا في ظل تدثر "الحزب" بالمدنيين وبطائفته حيث تغيب هوامش الفصل الممكنة. لكن ارتفاع تكلفة الصمت والانتظار في هذه الحرب الباردة سيدفع الدولة مُكرهة إلى التحرّك، خصوصًا حينما تزداد خطورة التهديد الوجودي.
وإذا كانت ميليشيا "الحزب" جرّدت حملة موسّعة للتهكّم على خطاب رئيس الجمهورية، فإن الرئيس جوزاف عون ما تحدّث عن قسطل المياه الذي يغذي مرجعيون والقليعة إلا لتبيان حجم الجهود والاتصالات التي تبذلها الدولة لضمان حماية أهالي القرى والبلدات المحاصرة، وتحييدها عن الصراع، وإيلاء الأهمية اللازمة للتفاصيل الحياتية. ناهيكم عن كونه شريان الحياة الأساسي ويحمل رمزية الصمود.
ومن خلال هذه الاتصالات بالذات تمكنت السلطة من حماية "معبر المصنع" الحدودي، بما يمثل من شريان أساسي يربطنا بالدول العربية وعبره تتدفق السلع، من التهديد الإسرائيلي باستهدافه، وبالتالي منع حصار لبنان. غير أن النجاح غير المستدام لم يكن لبنانيًا صرفًا، بل كان لدمشق إسهام كبير في حصوله عبر اتصالات مكثفة، بما يفتح الباب نحو تطوير وتعميق التنسيق بين الجارين لضمان حماية هذا المعبر الحيوي، وربما نحو مجالات أخرى لا تقل أهمية.


