المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جولة حاسمة تحت سقف الدبلوماسية والتهديد..هل تستطيع السياسة أن تسبق السلاح أم أن المنطقة تسير نحو اختبار يكتب بالنار؟

جولة مفاصلية من المفاوضات الأميركية الإيرانية في جنيف وسط تصعيد عسكري وضغوط سياسية متبادلة. هل تنجح الدبلوماسية في كبح المواجهة أم تتجه المنطقة نحو تصعيد مفتوح؟

فبراير 25, 2026 - 08:14
 0
المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جولة حاسمة تحت سقف الدبلوماسية والتهديد..هل تستطيع السياسة أن تسبق السلاح أم أن المنطقة تسير نحو اختبار يكتب بالنار؟

 كتب حسين زلغوط في "اللواء":

 تعود الولايات المتحدة وإيران، بعد غد الخميس، إلى طاولة التفاوض في جنيف، في جولة توصف بأنها «مصيرية»، ليس فقط لمستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل لمجمل التوازنات في الشرق الأوسط. فالمحادثات المرتقبة تأتي في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق، وتبادل رسائل نارية بين الطرفين، وتهديدات أميركية صريحة باللجوء إلى القوة إذا فشلت الدبلوماسية في تحقيق اختراق ملموس.

الجولة الجديدة تحمل في طياتها مفارقة واضحة، وهي أن الدبلوماسية تسير بالتوازي مع تصعيد عسكري، فواشنطن رفعت منسوب تحذيراتها، مؤكدة أن الخيارات كافة مطروحة، فيما تواصل طهران التلويح بأوراقها الإقليمية، من خلال شبكة تحالفاتها الممتدة في أكثر من ساحة، وبين لغة التفاوض ولغة الردع، تقف عملية التفاوض مجدّداً أمام اختبار لمدى قدرة الطرفين على تفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

حيال ما تقدّم ترى مصادر سياسية مطّلعة ان الإدارة الأميركية تدرك أن استمرار التوتر يهدّد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، لذلك تسعى إلى فرض معادلة واضحة: اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويمنع اقترابه من العتبة العسكرية، مقابل تخفيف مدروس للعقوبات، لكن هذه المعادلة تصطدم بواقع سياسي داخلي أميركي ضاغط، حيث تتصاعد الأصوات المطالبة بتشديد القبضة وعدم تقديم تنازلات مجانية، في مقابل أصوات محيطة بالرئيس دونالد ترامب تدعو الى التروّي وعدم التسرّع.

أما إيران في اعتقاد المصادر فانها تدخّل المفاوضات وهي في موقع مركّب، فمن جهة، تعاني ضغوطاً اقتصادية خانقة بفعل العقوبات، ومن جهة أخرى ترى أن تصاعد التوتر الإقليمي يمنحها أوراق قوة إضافية، فالقيادة الإيرانية تعتبر أن أي اتفاقا يجب أن يتضمن ضمانات حقيقية لرفع العقوبات ومنع تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من أي تفاهم مستقبلي. كما تصرّ على الاعتراف بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي ضمن حدود القانون الدولي.
وتلفت المصادر النظر الى أن الرهان الأميركي يتمحور حول منع إيران من الوصول إلى مستوى تخصيب يضعها على عتبة امتلاك سلاح نووي خلال فترة قصيرة. أما الرهان الإيراني فيتمثل في تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وفرض معادلة «الأمن مقابل الأمن»، بحيث لا يُطلب منها تقديم تنازلات استراتيجية من دون مقابل واضح في ملفات العقوبات والضمانات السياسية.

لكن ما يجعل جولة جنيف مختلفة في رأي المصادر المطّلعة هو المناخ الإقليمي المتفجر. فالتوتر بين إسرائيل وإيران بلغ مستويات غير مسبوقة، والتهديدات المتبادلة باتت علنية، كما أن أي تعثرا في المفاوضات قد يفتح الباب أمام سيناريوهات عسكرية، سواء بضربات محدودة تستهدف منشآت حسّاسة، أو بتصعيد أوسع يجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة، وهنا تصبح جنيف خط الدفاع الأخير أمام انفجار قد لا يمكن احتواؤه.

وتقول المصادر انه في الداخل الإيراني، ثمة انقسام بين تيار يرى ضرورة استثمار اللحظة لتحقيق انفراج اقتصادي، وآخر يعتبر أن الصمود والمواجهة هما السبيل لفرض شروط أفضل. أما في واشنطن، فالتوازن دقيق بين إظهار الحزم وعدم الظهور بمظهر المتراجع، وهذه الحسابات المتبادلة تجعل من طاولة التفاوض ساحة اختبار للقدرة على إدارة التناقضات الداخلية والخارجية معاً.

والملف النووي، بالتأكيد ليس هو الملف الوحيد على طاولة التفاوض، بل تتقاطع ملفات أخرى لا تقل حساسية، مثل النفوذ الإقليمي، أمن الملاحة في الخليج، ومستقبل الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة. ورغم أن جدول الأعمال المعلن يركز على البرنامج النووي، فإن المفاوضات عملياً تدور في فضاء أوسع، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي عبر رسائل ميدانية محسوبة.

في تقدير المصادر فان الاحتمالات مفتوحة على مسارين رئيسيين: الأول، نجاح نسبي يفضي إلى تفاهم مرحلي يجمّد التصعيد ويمنح الدبلوماسية فرصة إضافية. والثاني، فشل يقود إلى مزيد من العقوبات وربما خطوات عسكرية تصعيدية. وبين هذين الخيارين، تبقى إمكانية التوصل إلى صفقة شاملة رهناً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، في ظل انعدام الثقة العميق الذي يطبع العلاقة بينهما منذ عقود.

وتختم المصادر لتقول أن جنيف ليست مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل مفصّل تاريخي قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. فإذا نجحت الدبلوماسية، قد نشهد مرحلة تهدئة نسبية تعيد ترتيب الأوراق. أما إذا فشلت، فقد تدخل المنطقة في حقبة جديدة عنوانها المواجهة المفتوحة، حيث تصبح لغة القوة هي السائدة. وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال: هل تستطيع السياسة أن تسبق السلاح، أم أن المنطقة تسير نحو اختبار قاسٍ يفرض معادلات جديدة على الجميع؟