السفير هاكابي والمقاربات المختلفة للعالم الإبراهيمي
تحليل لمواقف السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي بين خلفيته الإنجيلية والسياسة الرسمية لواشنطن، ودلالات الاتفاقات الإبراهيمية ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
كتب عبد الهادي محفوظ:
يبرر السفير الأميركي في اسرائيل مايك هاكابي سيطرة اسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله بالاستناد إلى تفسيرات توراتية وإلى نص من العهد القديم يتحدث عن وعد إلهي لابراهيم بمنطقة جغرافية تشمل فلسطين والأردن وسورية والعراق والسعودية.
والسؤال الأساسي هل موقف السفير هاكابي يعبّر عن موقف الولايات المتحدة الأميركية أم أنه موقف شخصي كان يتبنّاه قبل أن يكون سفيرا أميركيا في اسرائيل عندما كان يروّج للاعلام الديني الانجيلي بصفته قسيسا تشمل معتقداته الدينية دعم السيطرة الاسرائيلية على «الوطن الأصلي» اليهودي الذي في المعتقدات الانجيلية هو «اسرائيل الكبرى القوية التي تمهّد لعودة السيد المسيح».
الأرجح أن تصريحات هاكابي الأخيرة تتصل بتاريخه الإنجيلي الشخصي أو بالأحرى بالسياسة الأميركية – الاسرائيلية لا بالسياسة الأميركية – الأميركية. ففي الولايات المتحدة الأميركية غالبية «الإنجيليين الجدد» يؤيدون فكرة اسرائيل الكبرى. والسفير هاكابي واحد منهم. غير أن ذلك لا يشكّل عنوانا للسياسة الأميركية وإنما تنوّعا في الرأي العام الأميركي حيث تتعدّد وجهات النظر كما تتعدّد الانتماءات الدينية والاتنية والولاءات وخصوصا أن المقاربات «للعالم الابراهيمي» والاتفاقات حوله ليست واحدة وتحمل تفسيرات مختلفة. وهذا يفترض عودة لمقاربة العالم الابراهيمي التي بدأت عمليا من العراق. فأول اهتمام لزيارة المعبد الابراهيمي في مدينة أور في العراق كان من جانب البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1999 عندما طلب إذنا من السلطات العراقية للحج في المعبد. وعندما استفسرت السلطات العراقية عن أبعاد الزيارة جاء الجواب :»يريد أن يسير على خط ابراهيم الخليل أي من اسرائيل إلى الأردن فالعراق». فاعتذرت السلطات العراقية من الفاتيكان بأنها لا توافق على خط السير هذا.
لا شك أن البابا يوحنا بولس الثاني كان يبحث عن قاعدة للتقارب بين الأديان الثلاثة المسيحية والإسلامية واليهودية.
إنما الاهتمام الحقيقي بالمعبد الإبراهيمي كان مع الحاكم الأميركي للعراق بول برايمر الذي رمّم المعبد وأحاطه بالاهتمام. فقبله كان سكان أور يعتبرون المعبد بيتا أثريا مهجورا. ومعنى هذا الأمر أن فكرة الاتفاقات الابراهيمية التي يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إنجازها لها أساس في تفكير الدولة العميقة الأميركية بدءا من العراق. وغاية الاتفاقات الإبراهيمية وفقا للحسابات الأميركية للدولة العميقة هي تحقيق «السلام» بين اسرائيل والدول العربية وفقا للتصوّر الأميركي لا وفقا للحسابات الاسرائيلية في الهيمنة الجغرافية والسياسية. أي ان واشنطن تأخذ في الاعتبار التحفظات العربية حول «الهيمنة الاسرائيلية» وحول حق الفلسطينيين في دولة وحول التوسّع الجغرافي في لبنان وسورية والأردن. وهذا ما عبّر عنه في شكل خاص ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي أقام مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب «شراكات» اقتصادية ومالية وربطها بأن يأخذ سيد البيت الأبيض التحفظ السعودي على السياسات والممارسات السلبية التي تقوم بها اسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهنا لا ينبغي أن نستهين بموقف الكاثوليك في الولايات المتحدة الأميركية الذين يحظون الآن بعطف خاص من البابا لاون الرابع عشر الأميركي الأصل والذين لا يشاركون الإنجيليين الجدد مقاربتهم لربط عودة السيد المسيح بقيام دولة اسرائيل الكبرى.
وختاما لا ينبغي النظر إلى تصريحات السفير هاكابي بأنها قدر هذه المنطقة التي تعتبر في أساس الحضارات وتاريخها. وتصريحاته تلتقي مع سياسة أميركية – اسرائيلية وتفترق مع سياسة أميركية – أميركية تجعل من واشنطن الفاعل الدولي الوحيد والأساسي في المنطقة والذي يغلّب المصلحة الأميركية على أي مصالح أخرى بما فيها الإسرائيلية.


