داخل غرفة النوم: ماذا يحدث لعقولنا حين نحلم؟

هل الأحلام مفيدة فعلًا؟ تحقيق نفسي–علمي يسلّط الضوء على دور الأحلام في صحة الدماغ، علاقتها بالحالة النفسية، وما تكشفه عن اضطرابات مثل شلل النوم، بين العلم والثقافة واللاوعي.

فبراير 17, 2026 - 14:20
 0
داخل غرفة النوم: ماذا يحدث لعقولنا حين نحلم؟

حين ننام، لا ينام كلّ شيء فينا. خلف الجفون المغمضة، يعمل الدماغ بإيقاع مختلف، يرسم صورًا، ينسج حكايات، ويستحضر مشاعر قد تكون أصدق من الواقع نفسه. الأحلام ليست مجرد مشاهد عابرة في ليلٍ طويل، بل ظاهرة نفسية وعصبية ما زالت تحيّر العلماء وتثير فضول المجتمعات منذ آلاف السنين.

في هذا التحقيق، نقترب من الأحلام بوصفها تجربة إنسانية مشتركة: بين العلم والنفس، بين الخيال والمرض، وبين أحلام النوم وأحلام الحياة.

الأحلام: نشاط عقلي لا يتوقف

علميًا، تحدث أغلب الأحلام خلال مرحلة تُعرف باسم حركة العينين السريعة (REM)، وهي مرحلة يكون فيها نشاط الدماغ مرتفعًا بشكل لافت، بل قد يتجاوز نشاطه في بعض الجوانب ما يكون عليه أثناء الاستيقاظ. ويقضي البالغ ما بين 15% إلى 25% من نومه في هذه المرحلة، بينما تصل النسبة لدى حديثي الولادة إلى نحو 50%.

يرى آخرون أن الأحلام تمثل وسيلة لـ تفريغ الانفعالات السلبية وإعادة ترتيب المشاعر.

وهناك من يفترض أنها تلعب دورًا في تنظيم حرارة الدماغ، خاصة لدى حديثي الولادة.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة علمية قاطعة تؤكد وظيفة واحدة محددة للأحلام، ما يجعلها مجالًا مفتوحًا للبحث والتأمل.

بين أحلام النوم… وأحلام الحياة

من منظور نفسي، لا تنحصر الأحلام في تلك التي نراها أثناء النوم. فهناك أيضًا أحلام اليقظة، وأحلام الطموح، وتطلعات المستقبل. هنا يتقاطع البيولوجي بالوجودي.

المدرب العالمي أنتوني روبنز يرى أن كل إنجاز كبير بدأ بحلم، وأن تحويل الحلم إلى واقع يحتاج إلى خطوات يومية صغيرة ومتراكمة. بهذا المعنى، تصبح الأحلام – سواء في الليل أو في النهار – جزءًا من طاقة الدفع الداخلي للإنسان.

في العيادات النفسية، كثيرًا ما يُنظر إلى الحلم بوصفه نافذة إلى العالم الداخلي. قد يكون حلمًا غامضًا، لكنه يحمل رموزًا تعبّر عن صراعات، مخاوف، أو رغبات لم تجد طريقها الواعي بعد. لذلك وصف بعض المحللين النفسيين الحلم بأنه “الباب الملكي” لفهم ما يدور في العقل الباطن.

الجاثوم… حين يستيقظ الجسد متأخرًا

من أكثر الظواهر المرتبطة بالأحلام إثارةً للقلق في المجتمعات العربية ما يُعرف شعبيًا بـ"الجاثوم"، ويُسمى طبيًا شلل النوم.

لفهمه، علينا أن نعرف أن الجسم خلال مرحلة REM يدخل في حالة ارتخاء عضلي شبه كامل. هذه الآلية تحمينا من تنفيذ ما نحلم به؛ فلو حلم شخص بأنه يركض أو يقاتل، تبقى عضلاته في حالة شلل مؤقت يمنعه من الحركة.

لكن في بعض الحالات، يستيقظ الشخص بينما لا تزال هذه الآلية فعّالة. فيجد نفسه واعيًا تمامًا، يرى غرفته، يسمع الأصوات… لكنه عاجز عن الحركة. وقد تترافق الحالة مع هلوسات سمعية أو بصرية مرعبة، وشعور بضيق أو اقتراب خطر.

رغم الرعب الذي تسببه التجربة، يؤكد الأطباء أنها حالة حميدة، لم تُسجل بسببها وفيات، إذ يبقى التنفس طبيعيًا لأن عضلة الحجاب الحاجز لا تتأثر. وغالبًا لا تحتاج إلى علاج، إلا إذا ارتبطت باضطراب آخر مثل النوم القهري، وهو اضطراب يتميز بنوبات نعاس مفاجئة لا يمكن مقاومتها.

عندما يختفي الشلل… وتبدأ المخاطر

على النقيض من شلل النوم، هناك اضطراب نادر يُعرف باسم اضطراب السلوك أثناء مرحلة REM، ويصيب غالبًا كبار السن، خصوصًا المصابين بأمراض عصبية مثل داء باركنسون.

في هذه الحالة، لا يحدث الشلل العضلي المعتاد أثناء الأحلام، فيبدأ الشخص بتنفيذ ما يراه في حلمه فعليًا: يضرب، يقفز، أو يتحرك بعنف، ما قد يعرّضه أو من ينام بجانبه لإصابات خطيرة.

هنا تتحول الأحلام من تجربة ذهنية إلى سلوك جسدي يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة.

رغم التفسيرات العلمية، ما زالت الأحلام في المجتمعات العربية مرتبطة بتأويلات دينية وشعبية. فهناك من يراها رسائل، أو إشارات، أو بشائر ونُذر. هذا البعد الثقافي لا يمكن تجاهله، إذ يشكل جزءًا من تجربة الحلم لدى الأفراد

هل الأحلام مفيدة فعلًا؟ رغم أن العلم لم يحسم بعد وظيفة واحدة قاطعة للأحلام، إلا أن المؤكد أنها ليست ظاهرة عشوائية أو بلا معنى. فهي جزء أساسي من دورة النوم الصحية، وتعكس نشاطًا دماغيًا طبيعيًا وحيويًا، كما قد تشكّل في بعض الأحيان نافذة لفهم حالتنا النفسية وما يدور في أعماقنا من مشاعر وصراعات. وفي حالات محددة، قد تتحول إلى جرس إنذار يشير إلى اضطراب يحتاج إلى تقييم طبي. لذلك فالأحلام ليست ترفًا ذهنيًا ولا مجرد خيال عابر في ظلام الليل، بل تجربة إنسانية معقدة تتقاطع فيها البيولوجيا مع النفس، والعلم مع الثقافة، والوعي مع اللاوعي. وفي النهاية، سواء كانت مشاهد عابرة في نومنا أو رموزًا عميقة تعكس دواخلنا، تبقى الأحلام جزءًا أصيلًا من إنسانيتنا ومن الطريقة التي يعيد بها العقل ترتيب نفسه كل ليلة.