خراب الشرق الأوسط الأمريكي

قراءة تحليلية عميقة لكتاب Marc Lynch – America’s Middle East: The Ruination of a Region تكشف كيف تحوّلت الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط إلى نظام بنيوي يُنتج الخراب، من غزة إلى العراق واليمن، ولماذا لم تكن المآسي استثناءً بل نتيجة منطق سياسي–أمني مستمر منذ 1991.

يناير 27, 2026 - 09:16
 0
 خراب الشرق الأوسط الأمريكي

 كتب باسم الموسوي:

في كتابه America’s Middle East: The Ruination of a Region يقدّم Marc Lynch قراءةً قاسية، متماسكة، ومركّبة لمسار الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. ليست أطروحة الكتاب أن واشنطن «أخطأت» هنا أو «قصّرت» هناك، بل أن ما سمّاه المؤلف «الشرق الأوسط الأميركي» هو نظامٌ مؤسَّسي صُمّم ليعمل بهذه الطريقة، وأن الخراب ليس عارضًا جانبيًا بل نتيجة بنيوية.


ينطلق لينش من لحظة غضب أخلاقي وسياسي فجّرها مشهد غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنه سرعان ما يوسّع العدسة: غزة ليست الاستثناء، بل الذروة. ما نشهده اليوم هو تراكم ثلاثة عقود من نظام إقليمي قامت الولايات المتحدة بتشييده، وحمايته، وإعادة إنتاجه عبر إدارات متعاقبة—جمهورية وديمقراطية—مع اختلاف الأساليب وثبات الجوهر.


1) ما هو «الشرق الأوسط الأميركي»؟
لا يستخدم لينش المصطلح توصيفًا جغرافيًا، بل بنيةً سياسية–أمنية. «الشرق الأوسط الأميركي» هو الإقليم الذي تشكّل بعد 1991 تحت مظلة التفوق الأميركي غير المُنازَع: شبكة تحالفات أمنية، قواعد عسكرية، مبيعات سلاح ضخمة، دعم لأنظمة سلطوية «صديقة»، وشرعنة دائمة لاستخدام القوة باسم «الاستقرار». في هذا النظام، تُعكس القيم المعلَنة لليبرالية الأميركية: تُقدَّم السلطوية على الديمقراطية، والحصانة على القانون الدولي، والأمن العسكري على السياسة.


بهذا المعنى، لا تكون المنطقة «موضوعًا» لتدخلات متقطعة، بل فضاءً مُعاد التشكيل، تُحدَّد فيه فرص الفعل وحدوده سلفًا. ما يبدو كخيارات سيادية لدول المنطقة هو في الغالب تكيّف عميق مع توقعات النظام الأميركي: حماية إسرائيل، احتواء إيران، محاربة «الإرهاب»، وتبنّي وصفات اقتصادية نيوليبرالية تُضعف المجتمعات وتُقوّي شبكات الريع والقمع.


2) استمرارية بلا قطيعة
يُفكّك الكتاب أسطورة التغيّر مع تبدّل الرؤساء. من بوش الأب إلى كلينتون، ومن بوش الابن إلى أوباما، ثم ترامب وبايدن، تتبدّل اللغة وتبقى السياسات الجوهرية. حتى حين حاولت إدارات «التغيير»—كما في رهان أوباما على الدبلوماسية مع إيران—اصطدمت بقوة البنية: ضغوط داخلية، حلفاء إقليميون، وتوقّعات مؤسسية تجعل الانحراف مكلفًا. لذلك، تبدو «الحروب الأبدية» ليست فشلًا في التنفيذ، بل نجاحًا للنظام في إعادة إنتاج نفسه.


3) غزة: الذروة الكاشفة
يحتلّ فصل غزة مكانة محورية. يرى لينش أن الدعم الأميركي غير المشروط لحرب إسرائيل، رغم اتساع الدمار وشبهات الإبادة، ليس شذوذًا أخلاقيًا مرتبطًا بشخص الرئيس، بل تعبيرًا صافياً عن منطق النظام: تُحتسب الأرواح الفلسطينية كتكلفة يمكن تحمّلها مقابل أولويات أعلى. هنا يبرز خيطٌ فكريٌّ حادّ في الكتاب: إنكار إنسانية الخاضعين للنظام. ليست المشكلة نقص معلومات أو سوء تقدير، بل افتراض ضمنيّ بأن حياة بعض البشر أقل وزنًا في ميزان القرار.


يُعيد المؤلف هذا المنطق إلى سوابقه: العراق في التسعينيات، العقوبات التي قتلت مئات الآلاف؛ «الحرب على الإرهاب» وضربات الطائرات المسيّرة؛ اليمن والحصار؛ ليبيا وسوريا والدول المنهارة. غزة ليست استثناءً؛ إنها المرآة التي تكشف البنية عارية.


4) الهيمنة بلا شرعية
يميّز لينش بين الهيمنة والقوة. الهيمنة تحتاج شرعيةً وقبولًا. «الشرق الأوسط الأميركي» افتقر إلى الاثنين. فالقيم التي روّجت لها واشنطن عالميًا—حقوق الإنسان، سيادة القانون—كانت تُنتهك منهجيًا إقليميًا. النتيجة: نظام قوي عسكريًا، هشّ سياسيًا، يُنتج مقاومات، حروبًا بالوكالة، وتطرّفًا، ثم يفسّرها بوصفها «طبيعة المنطقة».


من هنا، يشرح المؤلف لماذا فشلت برامج «نشر الديمقراطية»: لأنها صُمّمت لتُجمِّل السلطوية لا لتكسرها؛ ولماذا لم تُنتج الإصلاحات الاقتصادية ازدهارًا: لأنها عزّزت تحالف المال والقمع؛ ولماذا تُدار الصراعات بلا حلول سياسية: لأن السياسة تهدّد توازن النظام.


5) تواطؤ النخب ومعضلة المعرفة
لا يكتفي الكتاب بإدانة صانعي القرار، بل يُسائل حقول المعرفة ذاتها: مراكز الأبحاث، الجامعات، الإعلام. يبيّن كيف تُقمع الأصوات الناقدة—خصوصًا حين تُصرّ على إنسانية الفلسطيني—وكيف تُعاد صياغة الوقائع بلغة تقنية تُخفي المأساة. ليست المشكلة غياب الخبراء، بل حرب على المعرفة حين تتعارض مع مصالح النظام.


6) لماذا يستمر الخراب؟
لأن البديل يتطلّب تغييرًا في ما لا تريد واشنطن تغييره: موقع إسرائيل، شبكة التحالفات السلطوية، أولوية الأمن العسكري. ولأن النظام قيّد حتى الفاعلين الأميركيين أنفسهم: ما يبدو «عقلانيًا» داخل البنية هو استمرارها. هكذا تُفهَم المفارقة: سياسات تفشل في تحقيق الاستقرار لكنها تنجح في البقاء.


7) نهاية عصر أم إعادة تدوير؟
يكتب لينش في خاتمة محدثة (تموز 2025) عن لحظة انتقالية: تراجع الهيمنة الأميركية، صعود منافسين، وغضب عالمي بعد غزة. يحذّر من وهم «العودة إلى ما كان». فإعادة ترميم النظام القديم—إن أمكن—ستُعيد إنتاج الخراب. السؤال ليس: كيف تُدار المنطقة بأدوات أقل تكلفة؟ بل: هل يمكن تفكيك منطق الهيمنة ذاته لصالح سياسة تعترف بالإنسان، وتعيد الاعتبار للسيادة الشعبية، والقانون الدولي، والحلول السياسية؟


خلاصة
«خراب الشرق الأوسط الأميركي» ليس عنوانًا مجازيًا، بل حكمًا تحليليًا. ما دمّر الإقليم ليس غياب النظام، بل نظام بعينه. قوة الكتاب في أنه لا يكتفي بوصف المآسي، بل يربطها ببنيةٍ تُفسّر استمراريتها. وهو، بذلك، دعوة قاسية لإعادة التفكير: ليس في تكتيكاتٍ جديدة داخل الإطار نفسه، بل في إطارٍ آخر—أقل عنفًا، وأكثر إنسانية.


ما يضيفه Marc Lynch في America’s Middle East: The Ruination of a Region ليس فقط توصيف نتائج السياسة الأميركية، بل تفكيك المأزق البنيوي الذي علّق الولايات المتحدة نفسها داخله. فالشرق الأوسط الأميركي ليس نظامًا تُديره واشنطن بحرّية، بل بنية تَحكُمها بقدر ما تحكم الآخرين. كلما ازداد فشل هذا النظام في إنتاج الاستقرار، ازداد اعتماد صانعي القرار على الأدوات ذاتها التي أنتجت الفشل: السلاح، العقوبات، التحالف مع السلطويات، وتهميش السياسة. هنا تنقلب الهيمنة إلى فخّ؛ إذ يصبح التراجع اعترافًا بالخسارة، والتغيير تهديدًا لتوازنات داخلية وخارجية، والاستمرار—مهما كانت كلفته الإنسانية—الخيار «العقلاني» الوحيد داخل المنظومة.


في هذا السياق، يشرح لينش لماذا تبدو الكوارث المتلاحقة وكأنها لا تُحدِث صدمة تصحيحية. فالنظام لا يُقيِّم نجاحه بمدى حياة البشر أو ازدهار المجتمعات، بل بمؤشرات أخرى: أمن الحلفاء، تدفق الطاقة، بقاء القواعد، وإقصاء الخصوم. لذلك يمكن أن تتعايش تصريحات «القلق الإنساني» مع سياسات تُغذّي المجاعة والحصار؛ ويمكن أن يُوصَف الدمار الشامل بوصفه «ثمنًا مؤسفًا» لا سببًا لإعادة النظر. هذه الازدواجية ليست نفاقًا فرديًا بقدر ما هي لغة النظام حين يواجه تناقضاته: لغة تقنية تُجرِّد الضحايا من السياسة، وتحوّلهم إلى أرقام أو «بيئات عمليات».


ويُظهر الكتاب كيف أن هذا المأزق البنيوي يعيد إنتاج ذاته عبر المعرفة والمؤسسات. فحين تُختزَل المنطقة في «مشكلة أمنية»، تُعاد صياغة الأسئلة بحيث تستبعد الحلول السياسية الجذرية سلفًا. تُصبح الديمقراطية خطرًا لأنها قد تُفلت من الضبط، ويُعاد تعريف «الاعتدال» بوصفه القابلية للتعايش مع الاحتلال والقمع. بهذا المعنى، لا يعود الفشل مفاجئًا: إنه نتيجة منطقية لبنية ترى في الإنسان متغيّرًا ثانويًا. والنتيجة النهائية—كما يخلص لينش—أن استمرار «الشرق الأوسط الأميركي» لا يهدد شعوب المنطقة وحدها، بل يقوّض الأساس الأخلاقي والسياسي لأي ادعاء أميركي بالقيادة العالمية. إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتحسين إدارة الهيمنة، بل بكسر منطقها