من «العملية التكتيكية» إلى «نمط غزة»: خفايا الأجندة الإسرائيلية لاحتلال الجنوب والبقاع

مارس 13, 2026 - 08:09
 0
من «العملية التكتيكية» إلى «نمط غزة»: خفايا الأجندة الإسرائيلية لاحتلال الجنوب والبقاع

 كتب زياد سامي عيتاني في "اللواء":

 بينما تنشغل الرادارات الدولية برصد الانفجارات المتبادلة في سماء الإقليم، ثمة زلزال صامت بدأت تكتمل ملامحه على الأراضي اللبنانية. لم يعد المشهد مجرد «تبادل ضربات» أو «أيام قتالية» عابرة؛ فالمعطيات الميدانية، استناداً إلى تحركات الفرقة 91 وتسريبات مراكز الأبحاث السيادية في إسرائيل، تؤكد أننا أمام «هندسة احتلال» جديدة، تتجاوز في خطورتها حرب 2006، لترسم خارطة نفوذ عسكري تبدأ من حافة القرى الأمامية وتمدّ أذرعها نحو قلب البقاع.

• استراتيجية «القضم» الهادئ.. كيف سقط قناع التكتيك؟

في الثالث من آذار، ومع صدور تفويض وزير الدفاع «يسرائيل كاتز» بالعبور البري، حاول المتحدث العسكري الإسرائيلي تسويق التحرك بوصفه «إجراءً تكتيكياً محدوداً». لكن لغة الأرقام على الأرض كذبت الرواية الرسمية منذ الساعات الأولى. إن حشد ما يقارب 100 ألف جندي احتياط لم يكن لمجرد تمشيط حدودي عابر، بل كان إعلاناً مبطناً عن تدشين مرحلة «الاجتياح المنهجي».
الوثائق الميدانية تشير إلى أن «الفرقة 91» (فرقة الجليل) لم تكن تتحرك وحدها؛ بل كانت مدعومة بألوية النخبة ووحدات المظليين والوحدة المدرعة 401. التدريبات التي سبقت الاجتياح بأسابيع كانت تحاكي احتلالاً طويل الأمد، يهدف إلى خلق واقع جغرافي جديد يفرض «تطهيراً» للمناطق الحدودية لضمان عودة سكان الشمال، وهو ما بات يُعرف في الأروقة العسكرية بـ «استنساخ نمط غزة» في جنوب لبنان.

• فخ الـ 18 موقعاً.. جغرافيا الاحتلال والأرض المحروقة

القنبلة المعلوماتية الحقيقية تكمن في «الرقم 18». فقبل اندلاع هذه المواجهة، كانت إسرائيل تحتفظ بخمس نقاط تمركز دفاعية فقط داخل الأراضي اللبنانية. أما اليوم، فقد قفز هذا العدد إلى 18 موقعاً عسكرياً محصّناً في عمق الجنوب، تتوزع في نقاط استراتيجية مثل القوزح، مارون الراس، وحولا، وصولاً إلى الخيام كأعمق نقطة توغل.
وخلف غبار المعارك، تكشف الأقمار الصناعية عن تطبيق ممنهج لسياسة «الأرض المحروقة». إن تحويل بلدات بأكملها إلى مناطق غير قابلة للحياة ليس مجرد ضرورة عسكرية لتأمين القوات، بل هو تغيير متعمد لطبوجرافيا الحدود. هذا المسار، الذي يدمج بين التفخيخ الهندسي للمباني السكنية وإنشاء الطرق العسكرية الالتفافية، يهدف إلى جعل العودة المدنية مستحيلة في المدى القريب، مما يحول «المنطقة العازلة» من مفهوم أمني مؤقت إلى واقع جغرافي دائم، يعيد رسم حدود التماس بدمار لا يمكن ترميمه سريعاً.

• جبهة البقاع.. «الخاصرة الرخوة» في المرمى

بينما تتركز الكاميرات على تلال الجنوب، يجري خلف الكواليس تحضيرٌ لجبهة أكثر تعقيداً هي جبهة البقاع. رصد هذا التحقيق نشاطاً غير مسبوق للمروحيات الإسرائيلية في أجواء جنتا والنبي شيت وعرسال. إن المحاولة للإنزال في سهل سرغايا لم تكن مجرد حادث عرضي، بل كانت «عملية استطلاع بالنار» لاختبار فجوات الدفاع الجوي والبري.
يؤكد المحللون العسكريون في تل أبيب أن الجيش يستعد لمناورة برية في عمق لبنان، والنشاط الحالي في البقاع هو رسم لخرائط التدخل القادم. فالبقاع يمثل بالنسبة لإسرائيل «العمق الاستراتيجي» ومخزن السلاح النوعي، والسيطرة عليه أو تحييده هي المفتاح الحقيقي لكسر القوة العسكرية للمقاومة في المرحلة القادمة.

• العقل الاستراتيجي ومعضلة «السيادة الغائبة»

لا يتحرك الجيش الإسرائيلي بمعزل عن مراكز الأبحاث التي ترسم له المسارات السياسية؛ حيث يروج معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) لفكرة استبدال «اليونيفيل» بـ «رقابة عسكرية أميركية» مباشرة. وفي المقابل، يسود بيروت صمت يعكس حجم الشلل السياسي؛ حيث تكتفي السلطة اللبنانية بتقديم شكاوى دورية لمجلس الأمن لا تجد صدىً في واشنطن.
قانونياً، يرى خبراء دوليون أن «نقاط التمركز الـ 18» تندرج تحت مسمى «الاحتلال الفعلي» (Effective Occupation) وفقاً لاتفاقيات لاهاي، حيث تمارس إسرائيل سلطة إدارية وعسكرية على أراضٍ لبنانية. هذا التكييف القانوني يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي؛ هل يتم التعامل مع الجنوب كأرض محتلة تخضع للقوانين الدولية، أم تُترك كساحة قتال مفتوحة تسقط فيها حصانة المدنيين والسيادة الوطنية؟

• صراع التكنولوجيا والضوء الأميركي

بعيداً عن التحرك البري، تبرز جبهة أخرى لا تقل ضراوة هي «الحرب الإلكترونية». فقد شهدت أسابيع الاجتياح عمليات تشويش واسعة النطاق على أنظمة GPS في عمق لبنان، واختراقات لشبكات الاتصال المحلية لتوجيه رسائل ترهيبية. هذه «السيطرة الرقمية» تمنح الجيش الإسرائيلي تفوّقاً في رصد أي تحرك دفاعي قبل وقوعه، وتجعل من العمق اللبناني مكشوفاً تكنولوجياً.
هذا التفوّق التقني يتقاطع مع مناخ سياسي في واشنطن يتسم بـ «التجاهل المتعمد». التسريبات الدبلوماسية تشير إلى أن البيت الأبيض منح تل أبيب هامشاً واسعاً للتحرك، تاركاً قرار توسيع القتال بيد القيادة الإسرائيلية. الصمت المطبق تجاه نداءات المسؤولين اللبنانيين ليس ناتجاً عن انشغال، بل هو «ضوء أخضر» مستتر لفرض واقع جديد على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

• ما وراء الليطاني وتوازنات «المرحلة الثانية»

إن الصورة التي ترسمها مجمل المعطيات واضحة في خطوطها العريضة؛ إسرائيل تسير في مسار تصعيدي منهجي، وما يجري حالياً هو «المرحلة الأولى» من إعادة هندسة الخارطة. إن الانتقال من 5 إلى 18 نقطة تمركز، وتبنّي «نمط غزة»، وتوزيع الفرق العسكرية على طول الجبهة، كل ذلك يكشف عن بنية احتلال لا عن عملية عابرة.
ثلاثة عوامل ستحدد مصير الأيام القادمة: مآلات الضربة على إيران، مدى صمود المنظومة الدفاعية في الداخل، وحجم الضغط الدولي الذي قد يفرز توافقاً على وقف النار قبل أن تنتقل إسرائيل إلى مرحلتها الثانية والأشد عنفاً. الساعة تدق، والهامش الدبلوماسي يضيق أمام طموحات عسكرية لا تبدو أنها ستتوقف عند تخوم الليطاني.