حين تتحول السوسيولوجيا إلى خطاب سياسي: قراءة نقدية في مقال منى فياض عن المجتمع الشيعي والمقاومة
كتب باسم الموسوي:
في السنوات الأخيرة، أصبح من المألوف في بعض الكتابات اللبنانية أن تُقدَّم المواقف السياسية في لباس أكاديمي. فبدلاً من المقال السياسي المباشر، يجري استدعاء مفاهيم من علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا لإضفاء مسحة علمية على أطروحات مسبقة. غير أن هذه الاستراتيجية كثيراً ما تخفي انحيازاً أيديولوجياً واضحاً خلف لغة نظرية تبدو محايدة. وهذا ما يظهر بوضوح في المقال الذي نشرته منى فياض بعنوان «قراءة سوسيولوجية لتحول المجتمع الشيعي: صعود حزب الله من الوعي الجمعي إلى البنية الرمزية».
يبدأ المقال بالإعلان عن مقاربة سوسيولوجية تستند إلى مفاهيم إميل دوركهايم حول «العقل الجمعي» وإلى البنيوية الثقافية عند كلود ليفي-شتراوس. لكن القراءة المتأنية للنص تكشف سريعاً أن هذه المفاهيم ليست سوى إطار بلاغي لتبرير أطروحة سياسية جاهزة: تصوير العلاقة بين جزء من المجتمع الشيعي في لبنان وحزب الله بوصفها علاقة تقوم على الخوف والامتثال والاندماج الرمزي، لا على تجربة تاريخية ملموسة من الصراع والاحتلال والتحولات الاجتماعية.
المشكلة الأولى في هذا النوع من التحليل تكمن في الاختزال الشديد للواقع التاريخي. فالمقال يتعامل مع صعود حزب الله وكأنه نتاج ديناميات ثقافية داخلية فقط، أي كأنه تعبير عن «بنية رمزية» أعادت تشكيل الوعي الجماعي. لكن هذا التفسير يتجاهل ببساطة السياق التاريخي الذي نشأت فيه الحركة: الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، الاجتياح العسكري عام 1982، وتحول الجنوب إلى ساحة حرب مفتوحة لعقود. إن أي قراءة سوسيولوجية جادة لظاهرة المقاومة في لبنان لا يمكن أن تتجاهل أن هذه الحركة ظهرت أساساً في سياق مواجهة احتلال عسكري مباشر.
إلغاء هذا العامل المركزي يؤدي إلى نتيجة منهجية خطيرة: تحويل ظاهرة سياسية مرتبطة بالصراع والهيمنة إلى مجرد ظاهرة ثقافية داخلية. وبهذا المعنى يصبح المجتمع نفسه هو موضوع التفسير، بينما يختفي العامل الخارجي الذي ساهم في تشكيل تجربته التاريخية. وهذا النمط من التحليل ليس جديداً؛ فقد استخدم كثيراً في الأدبيات الاستشراقية التي كانت تميل إلى تفسير الظواهر السياسية في المجتمعات غير الغربية عبر ثقافاتها الداخلية بدلاً من تحليل علاقات القوة التي تحيط بها.
المفارقة أن المقال يستدعي مفاهيم دوركهايم لتفسير ما يسميه «الامتثال الجماعي»، في حين أن مفهوم «العقل الجمعي» عند دوركهايم لم يُطرح أصلاً لوصف الطاعة السياسية أو الانغلاق الاجتماعي. دوركهايم كان يسعى إلى فهم كيف يحافظ المجتمع على تماسكه عبر منظومة القيم المشتركة، وليس إلى تفسير دعم الجماعات لحركات سياسية بوصفه نوعاً من الخضوع الرمزي. إن تحويل هذا المفهوم إلى أداة لتفسير ظاهرة سياسية معاصرة يتطلب جهداً نظرياً وتحليلياً كبيراً، وهو ما لا يقدمه المقال.
الأمر نفسه ينطبق على استخدام البنيوية عند ليفي-شتراوس. فالبنيوية الأنثروبولوجية نشأت أساساً لتحليل الأساطير وأنظمة القرابة في المجتمعات التقليدية، لا لفهم الحركات السياسية الحديثة. وعندما يجري نقل هذا النموذج إلى تحليل حركة سياسية معاصرة، يصبح من الضروري تقديم دليل ميداني أو تحليلي على وجود تلك «البنية الرمزية» في الوعي الاجتماعي. لكن المقال يكتفي بالقول إن المجتمع أعاد تنظيم نفسه حول ثنائية «المقاومة والعدو»، من دون أي تحليل منهجي للخطاب الاجتماعي أو الثقافي الذي يثبت هذا الادعاء.
إلى جانب هذه المشكلات النظرية، يعتمد المقال أيضاً على تعميمات واسعة حول «المجتمع الشيعي» في لبنان. فالنص يتحدث عن هذا المجتمع كما لو أنه كتلة اجتماعية واحدة ذات عقل جمعي متجانس. غير أن الدراسات السوسيولوجية حول لبنان تشير بوضوح إلى أن هذا المجتمع شديد التنوع من حيث الطبقات والمناطق والانتماءات السياسية. فهناك اختلافات كبيرة بين الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، كما توجد داخل البيئة الشيعية نفسها قوى سياسية متعددة ونقاشات فكرية واجتماعية مستمرة.
إن تصوير هذا المجتمع بوصفه وحدة متجانسة تدور حول تنظيم واحد يعيد إنتاج صورة نمطية قديمة في الخطاب السياسي اللبناني، وهي صورة غالباً ما تُستخدم لنزع الطابع السياسي عن خيارات الناس وتحويلها إلى ظواهر نفسية أو ثقافية.
كما يقدم المقال قراءة تاريخية رومانسية عن «تعددية جبل عامل» قبل ظهور حزب الله، مقابل صورة أحادية لاحقة. لكن هذه المقارنة تتجاهل أن المنطقة شهدت منذ منتصف القرن العشرين صراعات سياسية واجتماعية معقدة، من صعود الحركات القومية واليسارية إلى ظهور حركة أمل، ثم إلى تشكل حركات المقاومة المختلفة. لم يكن المجتمع العاملِي فضاءً اجتماعياً ساكناً تحول فجأة إلى مجتمع مغلق، بل كان دائماً ساحة لتحولات سياسية واجتماعية عميقة.
الأكثر دلالة في المقال هو الطريقة التي ينتقل بها التحليل السوسيولوجي المفترض إلى استنتاج سياسي مباشر. ففي خاتمة النص يدعو الكاتب ضمنياً إلى إعادة تعريف الأمان خارج «منطق السلاح» والعودة إلى الدولة والقانون. هذا الموقف قد يكون مشروعاً في النقاش السياسي العام، لكنه لا يظهر في المقال كنتيجة تحليلية لبحث سوسيولوجي، بل كخلاصة معيارية مضمرة منذ البداية.
المشكلة هنا ليست في الدعوة إلى الدولة بحد ذاتها، بل في تجاهل السؤال الأساسي: لماذا غابت الدولة اللبنانية عن الجنوب والبقاع لعقود طويلة؟ ولماذا ظهرت الحركات المسلحة أصلاً في هذه المناطق؟ إن أي تحليل علمي للظاهرة يجب أن يبدأ من دراسة عجز الدولة التاريخي عن حماية تلك المناطق، لا أن يفترض ببساطة أن الدولة يمكن أن تحل محل التنظيمات المسلحة بمجرد الرغبة في ذلك.
إن ما يكشفه هذا النوع من المقالات هو ظاهرة أوسع في النقاش الثقافي العربي المعاصر: استخدام المفاهيم الأكاديمية لتبرير مواقف سياسية مسبقة. فبدلاً من أن تكون السوسيولوجيا أداة لفهم التعقيد الاجتماعي، تتحول إلى لغة تفسيرية تمنح الشرعية لقراءة سياسية محددة. في هذه الحالة يصبح دور النظرية ليس تحليل الواقع، بل إعادة صياغته بطريقة تخدم سردية معينة.
إن دراسة العلاقة بين المجتمع الشيعي اللبناني وحزب الله تحتاج بالفعل إلى مقاربة سوسيولوجية عميقة، لكن مثل هذه المقاربة لا يمكن أن تقوم على التفسير الثقافوي وحده. فهذه العلاقة تشكلت عبر تفاعل معقد بين الاحتلال والحرب، وبين التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبين ضعف الدولة وصعود الحركات السياسية. ومن دون تحليل هذه العوامل مجتمعة، سيبقى أي تفسير جزئياً ومبتوراً.
في نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن يكون للباحث موقف سياسي. فكل كتابة اجتماعية تنطلق، بشكل أو بآخر، من رؤية للعالم. المشكلة تبدأ عندما يجري تقديم هذا الموقف السياسي على أنه نتيجة تحليل علمي محايد. عندها تتحول الأكاديمية إلى قناع للخطاب السياسي، وتفقد السوسيولوجيا وظيفتها الأساسية: فهم الواقع في تعقيده، لا اختزاله في سرديات جاهزة.


