بين دويّ حُلمٍ ودويّ غارة!

مقال يحاكي الواقع اللبناني من خلال حلم عاشه الكاتب

مارس 12, 2026 - 08:38
 0
بين دويّ حُلمٍ ودويّ غارة!

كتب الدكتور علي القزويني الحُسَيني

​بين غفوةٍ وصحوة، تمتد مساحة من النور لا يدركها إلا من أرهقته خيبات الواقع. كنت هناك، في عالمٍ لم تأكله نيران الكراهية، عالمٍ يخلع فيه الشرق الأوسط ثوب الحداد ليرتدي حلة "التعاون". رأيتُ مشهداً لم تألفه شاشات الأخبار:" ولياً فقيهاً إيرانياً جديداً شاباً يصافحُ شاباً آخرَ، وليّ عهدٍ سعودي طموح"، يوقعان معاهدات لا تحتاج إلى وسيطٍ أميركيّ ولا حتى عُماني، بل يكفيها صدق النوايا وتبادل التحايا والخبرات لتبني مستقبلاً يليق بأرض الأنبياء والأولياء والمسلمين المؤمنين الذين لا فرق بين بعضهم البعض إلا بـ "التقوى".

 

​لقد كان في ذلك المشهد "المنامي" اختزالٌ لجوهر الحقيقة الغائبة، أن هذين القائدين الشابين، بما يمثلانه من "قلٍ نبويّ محمديّ علويّ سنيّ،" بإمكانهما أن يصيغا لغةً جديدة للبناء والسلام. هي قناعةٌ صلبة بأننا إن لم نصنع نحن أهل هذه المنطقة السلام بأنفسنا، فلن يصنعه لنا أحد، وإن كان يمتلك في جعبته أفتك أسلحة العالم وأكثرها دماراً. السلام قرارٌ داخلي، ينبع من إدراكنا بأن المصير واحد، وأن عمارة الأرض أجدى من هدم الإنسان، وأن الإسلام تعدديٌ، شئنا أم أبينا، وهو كدين لله قبل العباد.

​في حلمي، كان بلدي لبنان قد استعاد عافيته، كنا جميعاً موحدين، وحكومتنا لا تسمى حكومة "وحدة وطنية" بل هي حكومة تنافس لخدمة اللبنانية واللبناني، ورئيسها (في حلمي!) لبنانيّ مسيحيّ درزيّ سنيّ جعفريّ... وطنيّ.

رأيتُ في هذا الحُلم، الجيش اللبناني يحتفل بعيده الوطني في ساحاتٍ تعجّ بالحياة، لا بالخوف. وكنتُ أنا، الأستاذ الجامعي، منشغلاً في أسمى معاركي: التخطيط لدروسٍ أرسمُ فيها مع طلابي ملامح الغد، "حضورياً"، بعيداً عن الشاشات الباردة وانقطاعات الكهرباء والإنترنت وهواجس النزوح والقصف المتواصل.

​وفجأة.. سقط العالم!

​لم تكن "نغمة المنبه المزعجة" هي من أيقظتني، بل كان دوي انفجارٍ هزّ أركان ضاحية بيروت الحزينة، ومعه اهتزت أركان روحي. في ثانية واحدة، تبخرت المصافحات الأخوية، واختفت قاعة المحاضرات الهادئة، وحلّت مكانها الحقيقة المرة: رائحة البارود، وتوتر الجدران في شقتي التي تقع على تخوم وحافة الضاحية الخلفية، والقلق الذي يسكن العيون.

​استيقظتُ لأجد نفسي أصارع "كابوس الحقيقة". تلك اللحظة هي الأقسى؛ حين تدرك أن السلام الذي لامسته بيدك لم يكن سوى سرابٍ نسجه عقلك الباطن ليهرب من جحيم الواقع. في تلك اللحظة، لم أتمنَّ شيئاً سوى العودة... إلى حُلمي.

​أعدني إلى النوم...

ليس هروباً، بل استراحة لبناني ّ سئم الحروب. أعدني إلى حيث "الشرق الأوسط" ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل واحة للإنسان وتعايش الطوائف والأديان.

أعدني إلى طلابي الذين ينتظرون مني فكرةً جديدة، لا خبراً عاجلاً عن استهداف جديد.

 

​وهنا، وفي خضم هذا الركام، يبرز التساؤل الملحّ بصيغته الرصينة: ألسنا نحن اللبنانيين الذين عُرفنا بصبرنا وتشبثنا بالحياة، مَن سيعيدون ترميم هذا الشتات ويقومون كما في كل مرة... ولو بعد حين؟

ألم يقصّ علينا أجدادنا أن القدرة على النهوض من بين الأنقاض هي جيناتٌ وطنية لا تموت، وهي الكفيلة بتحويل ذاك الحلم إلى واقعٍ نعيشه لا مجرد رؤيا عابرة؟!

​ربما كان ذلك حلماً، "حُلُم ساذجٍ"، لكنه يُذكّر، إن نفعت الذكرى، أن داخل كل لبناني بذوراً لسلامٍ حقيقي ينتظر فقط أن تتوقف الأحقاد قبل المدافع ليزهر. وحتى يحين ذلك الوقت، سأظل،" أنا الحالم الساذج،" أبحث عن ذلك السلام في "عيون طلابي التي لا أراها حالياً إلا في نومي القليل المتقطع المتصدّع،" وفي ثنايا الكتب الإلكترونية أو ما تبقى منها ورقياً، وفي كل لحظة هدوء أخطفها من بين مخالب الحرب.

 

​نَم، فالحلم الذي رأيته عليه أن يكون الحقيقة التي ستنتصر يوماً ما... وإن طال كابوسُ الكابوس...

                     عن موقع ZNN