كيف يواجه حزب الله النسق الثاني من الحرب؟.. مواجهة مرحلة "شمال الليطاني" دون قفازات
مقال تحليلي يتناول دخول حزب الله مرحلة «الظل» بعد وقف الأعمال العدائية، وإعادة هيكلته السياسية والعسكرية، وتداعيات الانتقال إلى مرحلة «شمال الليطاني» في ظل ضغوط أميركية–إسرائيلية داخلية وخارجية، وانعكاس ذلك على التوازنات اللبنانية والسلاح والاستقرار الداخلي.
كتب ابراهيم ناصر الدين في "الديار":
منذ اليوم الاول لبدء نفاذ اتفاق وقف الاعمال العدائية، دخل حزب الله الى حقبة "الظل"، وتوارى عن الانظار كل من يعمل ميدانيا على اعادة التعافي، ودخلت القيادة في ورشة عمل، نجحت في اعادة هيكلة التنظيم بكل فروعه الامنية والعسكرية والاقتصادية والسياسة، لمواكبة المرحلة الجديدة بكل تعقيداتها ومخاطرها، في ظل التوازنات الجديدة في المنطقة.
والى ان يحين الوقت لاختبار مفاعيل هذه التغييرات، خصوصا على مستوى المقاومة، بقيت المواجهات الامنية والسياسية والاعلامية مفتوحة على مصراعيها، وهي تدخل الآن مرحلة جديدة قد تكون اقسى من سابقاتها، مع دخول البلاد مرحلة "شمال الليطاني"، وما يرافقها من ضغوط متعددة من الداخل والخارج.
وفي هذا السياق، تشير مصادر مطلعة على اجواء حزب الله، الى ان الحزب يدرك جيدا ان الموجة الثانية من الحرب الاميركية - الاسرائيلية المتعددة الأوجه قد انطلقت، وتتظهر على نحو فج وخطِر في ايران، وكذلك في سوريا، حيث يجري تقسيم ممنهج سيفضي الى رسم خرائط جديدة، بينما في لبنان تحمل الموجة الثانية عنوان الانتقال الى "شمال الليطاني"، حيث يرتفع نسق التصعيد رويدا رويدا، بضغط خارجي ومواكبة داخلية من "خصوم" المقاومة.
وفي حسابات الربح بعد النكسة العسكرية والامنية في الحرب الاخيرة، نجح حزب الله بعد نهاية الموجة العسكرية الاولى، وما تبعها خلال نحو عام من ضغوط سياسية واعلامية وامنية، في تجاوز المحنة "والبقاء على قيد الحياة"، من خلال الاحتفاظ بجزء غير محدد من قدراته العسكرية، وكذلك تثبيت مكانته السياسية بالداخل، بالتشارك مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شكل رافعة اساسية، منحت "الثنائي" وضعية مريحة في التوازنات الداخلية، ومنعت محاصرة القرار "الشيعي". اما الحاضنة الشعبية، فكانت ولا تزال العامل الاكثر تأثيرا وفعالية، في تأمين عبور آمن للحزب الى مرحلة التعافي، وهي تشكل اليوم سدا منيعا يؤمن الحصانة الداخلية التي يحتاج إليها الحزب.
ووفق تلك الاوساط، يعتبر حزب الله انه دخل اليوم مرحلة جديدة تختلف عما سبقها، فمرحلة جنوب الليطاني شيء، وما بعدها شيء آخر، وذلك لسبب بسيط جدا، انه لا شيء في قاموسه خطة لحصر السلاح شمال النهر، وكل ما يتم تداوله على المستوى الرسمي اللبناني من وعود بتنفيذ الخطة، سواء من الحكومة او المسؤولين، وكذلك كل الضغوط الخارجية، لا تعني الحزب من قريب او بعيد، ولا يتوقف عندها اصلا، فموقفه معروف، وقد جدد ابلاغ من يعينهم الامر بعدم استسهال اطلاق المواقف "المؤذية" للواقع اللبناني، واطلاق وعود لا يمكن تنفيذها، وقدم "نصيحة" للجميع بضرورة التعامل بالكثير من الواقعية مع الامر، لان عدم الاخذ بتحذيرات حزب الله الجدية، حول اعتبار سحب السلاح خارج منطقة جنوب الليطاني كـ "أخذ الروح"، سيجر البلد الى منزلق خطِر لا يمكن التكهن بتداعياته.
وفي هذا السياق، لن يهادن حزب الله اعلاميا او سياسيا، وسيواجه اي محاولة لتشويه الحقائق، ومحاولة احراجه بسقوف عالية لا تقبل التأويل، ووفق تلك الاوساط، التعميم التوجيهي للمسؤولين والنواب، وكذلك الوزراء، يقضي برفع مستوى المواجهة السياسية، لمنع الطرف الآخر من تشويه الحقائق، وتثبيت مواقف الحزب غير القابلة لاي مساومة، اي لا نقاش في ملف السلاح الا ضمن استراتيجية امن وطني، وبعد تنفيذ قوات الاحتلال لمندرجات بنود وقف الاعمال العدائية، وغير ذلك يعتبر تجاوزًا "لخطوط حمراء" لن يسمح الحزب لاحد بتجاوزها.
واذا كانت المرحلة الاولى من المواجهة لم تستدع استخدام الاطار الشعبي وغيره من الادوات الفاعلة التي يملكها حزب الله، لعدم الحاجة اليها الا في مناسبات معينة، فان مواجهة النسق الثاني من الهجوم، ستستخدم فيه كل المقدرات الممكنة، لمنع عملية الاستئصال السياسي والاجتماعي والعسكري لبيئة باتت مستهدفة بالكامل.
وفي هذا الاطار، لا يزال الجيش اللبناني "خط احمر" لا يمكن تجاوزه، ولا يسمح باي مواجهة معه، بل ثمة عمل دؤوب لحمايته من حملات الضغوط المكثفة، الراغبة في تعديل مهامه ووضعه في وجه شعبه. وثمة نصيحة من الحزب الى المسؤولين كافةً المتحمسين للترويج لحصرية السلاح في شمال الليطاني، ان المهادنة والصبر على التجني، ومحاولة "شيطنة" البيئة الحاضنة للحزب، لا يمكن ان تستمر لوقت طويل، وستكون المواجهة "دون قفازات"، اذا استمرت موجة الحملات على حالها. اما الانتقال العملي الى مرحلة حصرية السلاح، فعندئذ سيكون كلام وفعل آخر، لا يمكن للبلاد ان تتحمل تداعياته.


