«أسافر وحدي ملكاً»… حين استعادت بيروت منصور الرحباني بين الموسيقى والمطر!
أوراتوريو «أسافر وحدي ملكاً» أعاد منصور الرحباني إلى بيروت في أمسية موسيقية مؤثرة داخل كنيسة القلب الأقدس، حيث تلاقت الكلمة الفلسفية مع الأداء الغنائي لهبة طوجي والموسيقى في أجواء استثنائية.
شهدت كنيسة القلب الأقدس في الجميزة ليلتين استثنائيتين، تحوّل خلالهما الفضاء الروحي إلى مسرحٍ موسيقي عميق، احتضن أوراتوريو «أسافر وحدي ملكاً»، أحد أبرز الأعمال المُدرجة ضمن فعاليات مئوية منصور الرحباني، وبرعاية رئيس الجمهورية العماد جوزف عون.
العمل قدّم قراءة فنية عالية المستوى لنصوص منصور الرحباني ذات الطابع الوجودي، حيث حضرت الأسئلة الكبرى عن الرحيل والعزلة والمعنى، محمولة على بناء موسيقي متماسك، يجمع بين الصرامة الكلاسيكية والحس الإنساني العميق. الأوراتوريو بدا أقرب إلى رحلة داخلية، تتقدّم فيها الكلمة بوصفها فكرة، والموسيقى كمساحة تأمّل لا كزخرفة.
أسامة الرحباني تولّى تلحين مقاطع مختارة من نصوص والده، في تجربة حملت طابع الحوار المفتوح بين جيلين، فجاء العمل متدرجًا في إيقاعه، واضحًا في رؤيته، ومتوازنًا بين ثقل النص وجمالية الأداء، من دون السقوط في الاستعراض أو التخفيف من حدة المعنى.
أما الأداء الغنائي، فشكّل أحد أبرز مفاصل العمل، إذ تولّت هبة طوجي تقديم الأوراتوريو بصوت منفرد، في خيار فني نادر لهذا النوع من الأعمال. وقد أدّت النص بتركيز عالٍ وحس درامي مضبوط، متنقلة بين طبقاته بانسجام، ما منح العمل وحدة صوتية لافتة. هذا الأداء تُوّج بتقليدها وسام الأرز الوطني من وزير الثقافة غسان سلامة ممثلًا رئيس الجمهورية.
وساهم إلقاء جاد الياس الرحباني للنصوص في إبراز بعدها الشعري والفلسفي، فيما شكّلت مشاركة الأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية عنصر ثقل موسيقي واضح، عزّز البنية العامة للعمل، إلى جانب جوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة، التي أضافت بعدًا جماعيًا غنيًا، ووازنت بين الصوت الفردي والجماعي.
الحفل حمل أيضًا بُعدًا ثقافيًا عربيًا، مع مشاركة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» ومؤسِّستها هدى إبراهيم الخميس كانو، ضمن إطار برنامج مهرجان أبوظبي في الخارج، في خطوة عكست التزامًا طويل الأمد بدعم المشاريع الثقافية العربية العابرة للحدود.
في ختام الحفل، تزامنت الموسيقى مع زخّات المطر بزوايا الجميزة بهدوءٍ شتويّ، فبدت الأمسية كأنها لحظة واحدة مكتملة، يخرج فيها الجمهور محمّلًا بصدى الكلمات ودفء الألحان، تاركًا خلفه صمت الكنيسة يستعيد ما قيل وما عُزف، ويؤجّل الأسئلة إلى موعدٍ آخر مع الفن.


