مركز الثورة
تحليل فكري عميق يستكشف لماذا لا يُستهدف إيران كنظام سياسي فحسب، بل كفكرة سيادية خارجة عن الهيمنة الغربية. قراءة في الصراع العالمي على معنى الاستقلال، السيادة، وحق الشعوب في صناعة تاريخها بعيدًا عن منطق الإمبراطورية والتطويع.
كتب باسم الموسوي:
حين تُستهدَف إيران في هذا الزمن، لا يُستهدَف نظام سياسي بقدر ما تُستهدَف فكرة. ليست الفكرة هي “الجمهورية الإسلامية” بوصفها بنية دستورية أو جهازًا إداريًا أو شبكة سلطات، بل الفكرة الأعمق: أن شعبًا خارج المدار الغربي استطاع أن يقول “لا” ويبقى حيًا. منذ عام 1979، لم تكن إيران مجرد دولة غيّرت نظام حكمها، بل حدثًا أنثروبولوجيًا في النظام العالمي، اختراقًا في خريطة السلطة الكونية التي كانت تقول إن السيادة لا تُمنَح إلا لمن يقبل أن يكون ملحقًا. كل شيء في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يدور حول هذه العقدة: ليست المشكلة في ما تفعله إيران، بل في ما تمثّله. إنها تمثّل الاحتمال الذي تخشاه الإمبراطوريات أكثر من أي سلاح: أن توجد دولة غير قابلة للإدماج، غير قابلة للترويض، وغير مستعدة لأن تعيش بوصفها “حالة استثناء” داخل نظام الهيمنة.
القوى الثورية، إن كانت صادقة مع ذاتها، لا يمكنها أن تتعامل مع هذا الصراع بوصفه نزاعًا بين حكومتين أو صراع مصالح نفطية أو مواجهة أيديولوجيات. نحن أمام صراع على معنى التاريخ ذاته. هل يُسمح لشعوب الأطراف أن تصنع مسارها، أم أن التاريخ حكر على المركز؟ هنا يتحدد الواجب. الدفاع عن إيران لا يعني الدفاع عن سياساتها الداخلية، ولا عن بنيتها الدينية أو عن توازناتها السلطوية، بل الدفاع عن مبدأ أعمق: أن من حق الكيانات السياسية أن تخطئ بنفسها، لا أن تُسحَق باسم تصحيح أخطائها. الإمبراطورية لا تُسقط الدول لأنها ظالمة، بل لأنها مستقلة. هذا ما يجعل الهجوم على إيران مختلفًا جوهريًا عن أي نقد حقوقي أو سياسي: إنه محاولة لإلغاء حق الوجود السياسي خارج الطاعة.
الهيمنة الغربية الحديثة لم تكن فقط هيمنة عسكرية أو مالية، بل هيمنة معرفية، أي سلطة على تعريف الواقع. هي التي تقرر ما هو “النظام”، وما هو “الفوضى”، من هو “المعتدل” ومن هو “المتطرف”، من هو “الدولة” ومن هو “الميليشيا”. حين تُوصف إيران بأنها “دولة مارقة”، فإن ذلك ليس توصيفًا قانونيًا بل عملية نفي وجودي، إخراجها من الحقل الذي يُسمح فيه بالخطأ والتجربة. القوى الثورية، إذا قبلت هذا الإطار، حتى وهي تنتقد الغرب، تكون قد سلّمت بالهزيمة من حيث لا تدري. واجبها الأول هو كسر هذا الإطار ذاته، أي تفكيك منطق أن الاستقلال جريمة، وأن التعدد الحضاري خطر، وأن السيادة لا تُمنح إلا لمن يشبه المركز.
إيران في هذا المعنى ليست مجرد دولة، بل عقدة رمزية في الجغرافيا السياسية العالمية. إنها نقطة التقاء بين فكرة المقاومة وفكرة الدولة. كثير من الحركات المناهضة للهيمنة عبر القرن العشرين إما سُحقت أو استُتبعت أو جرى تحويلها إلى أنظمة محلية بلا مضمون سيادي حقيقي. إيران وحدها، رغم كل تناقضاتها، بقيت قادرة على تحويل الرفض إلى سياسة، وعلى ترجمة الاستقلال إلى شبكة تحالفات وإلى دعم لقوى أخرى تحاول بدورها كسر المنطق نفسه. لهذا لا يُخشى منها لأنها قوية، بل لأنها تُعدي الآخرين بإمكانية أن يكونوا كذلك.
هذا ما يفسر لماذا يُشنّ الهجوم على إيران على مستويين في آن: مستوى خارجي عبر العقوبات والتهديدات والحصار، ومستوى داخلي عبر تفكيك الاجتماع السياسي. الإمبراطوريات الحديثة لا تحب الانقلابات العسكرية الصريحة كما كانت تفعل سابقًا، بل تفضّل التفكيك البطيء: تحويل الاحتجاج إلى قطيعة وجودية، والغضب الاجتماعي إلى نفي للكيان، والمطالب الإصلاحية إلى مشروع انهيار. واجب القوى الثورية هنا ليس قمع النقد ولا الدفاع عن القمع، بل حماية النقد من أن يُختطف. هناك فرق أخلاقي وسياسي هائل بين مجتمع يُطالب بحقوقه داخل سيادته، ومجتمع يُدفع إلى تدمير سيادته باسم تلك الحقوق. الثورة التي تُختصر في إسقاط الدولة تتحول، مهما كانت نواياها، إلى أداة للإمبراطورية.
هنا تظهر المفارقة الكبرى في خطاب “حقوق الإنسان” حين يُستخدم سلاحًا. الحقوق ليست نقيض السيادة بل شرطها. لا معنى لحقوق بلا كيان سياسي قادر على حمايتها. وكل تاريخ التدخلات الغربية يبيّن أن إسقاط الدول باسم الحقوق لم يؤدِّ إلى حقوق، بل إلى فراغات، حروب أهلية، ودويلات تابعة. العراق وليبيا مثالان صارخان. الدفاع عن إيران، في هذا السياق، هو دفاع عن فكرة أن الإصلاح يجب أن يكون ثمرة صراع داخلي ضمن كيان محفوظ، لا نتيجة قصف أو حصار أو هندسة فوضى.
ثم هناك البعد العالمي الأوسع. العالم اليوم لم يعد أحادي القطب. الصين، روسيا، قوى الجنوب، كلها تحاول إعادة تشكيل الخريطة. إيران جزء من هذه الحركة التاريخية، لا لأنها نموذج اقتصادي ناجح أو نظام سياسي مثالي، بل لأنها رفضت أن تكون هامشًا. إذا سقطت إيران، فإن الرسالة إلى كل هذه القوى ستكون واضحة: لا مكان لكم خارج الطاعة. وهذا ما يجعل واجب القوى الثورية أمميًا بالمعنى العميق، لا شعاراتيًا. الدفاع عن مركز الثورة هو دفاع عن التعددية الكونية ضد إعادة فرض مركز واحد للعالم.
الأخطر في المشروع الأميركي ليس أنه يريد إسقاط حكومة، بل أنه يريد إعادة كتابة القاعدة: أن من يملك القوة يملك الشرعية. وهذا نقيض كل ما قامت عليه الفكرة الثورية الحديثة، من كوبا إلى فيتنام إلى حركات التحرر في أفريقيا وأميركا اللاتينية. إيران، مهما اختلفنا معها، تقف اليوم في خط هذا التراث. هي ليست وريثة له بالمعنى الأخلاقي، لكنها وريثة له بالمعنى الجيوسياسي: دولة تقول إن السيادة لا تُشترى ولا تُستعار.
واجب القوى الثورية إذًا ليس أن تحوّل إيران إلى أيقونة، بل أن تمنع تحويلها إلى عبرة. الإمبراطوريات لا تدمّر دولة واحدة فحسب، بل تستخدم تدميرها لتعليم الآخرين. أن يُترك هذا يحدث بصمت هو خيانة لفكرة التحرر ذاتها. الثورة التي لا تدافع عن مراكزها الرمزية تفقد قدرتها على الاستمرار، وتتحول إلى مجرد ذاكرة.
إيران ليست مقدسة، لكنها عقدة في التاريخ. فيها تتقاطع أسئلة الدين والسياسة، السيادة والعولمة، المقاومة والدولة. أن تُكسر هذه العقدة بالقوة يعني أن يُغلق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام عالم متعدد. القوى الثورية، إن أرادت أن تكون أكثر من مجرد رد فعل، عليها أن تدرك أن الدفاع عن إيران اليوم ليس اصطفافًا، بل دفاع عن إمكانية أن يكون للعالم أكثر من مركز، وللتاريخ أكثر من اتجاه، وللشعوب أكثر من مصير واحد مفروض.


