الحرب الأميركيّة ... المأزق الأميركي ؟

تحليل عميق يقدّمه نبيه البرجي حول المأزق الأميركي في الشرق الأوسط، واحتمالات الحرب على إيران، وانعكاساتها الإقليمية على لبنان والخليج وتركيا، في ظل التحذيرات من الفوضى الشاملة وصعود المشروع الإسرائيلي وتبدّل موازين القوة الدولية.

يناير 30, 2026 - 08:22
 0
الحرب الأميركيّة ... المأزق الأميركي ؟

 كتب نبيه البرجي في "الديار":

 قد يبدو كلامنا ساذجاً، وسط هذا الضجيج عن المأزق الأميركي، المأزق العسكري والسياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط. لكنها الحقيقة التي نستخلصها من آراء باحثين وأكاديميين وصحافيين أميركيين. هولاء لا يحذرون فقط من المأزق الأميركي، وانما من السقوط الأميركي في تلك المنطقة، التي "لا بد أنها ضاقت ذرعاً برقصة المجانين فوق أرضها" !

اذا كان الهدف من الحرب تقويض النظام، أو تقويض الدولة في ايران، فهذا يقتضي النزول من الجو الى الأرض، حيث الضياع بين التضاريس الطبيعية والتضاريس البشرية، الأكثر تعقيداً من الأرض الأفغانية التي خرج منها الأميركيون على ذلك النحو المذل، بعدما أمضوا 20 عاماً من الدوران في الحلقة المقفلة، باستخدام أشد الأسلحة فتكاً، بما في ذلك القنبلة الزلزالية أو القنبلة ما قبل النووية ...

لنفترض أن الهدف تحقق، وهو سابع لا رابع المستحيلات، في بلد بذلك الموزاييك الطائفي والاثني والمناطقي، لا بد من انفجار الفوضى الأبوكاليبتية، التي لا يمكن لأي قوة داخلية أو خارجية احتواؤها، مع انعكاس ذلك على البلدان المجاورة، التي في أغلبها تعاني من الهشاشة البنيوية وعلى المستويات كافة .

من الآراء الأميركيةً، أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تشن حرباً طويلة ضد ايران، ليس فقط للتكلفة المالية الهائلة التي تهدد دونالد ترامب بالخروج جثة هامدة من البيت الأبيض، وانما أيضاً لأن من مقتضيات هذه الحرب، أن تكون الأجواء والأراضي المجاورة مفتوحة أمامها. وها أن الأمير السعودي محمد بن سلمان، الواثق جداً من استحالة الحرب المحدودة أو الحرب التكتيكية، يبلّغ الرئيس الايراني مسعود بزشكيان بأن المملكة "لن تسمح ياستخدام أجوائها أو أراضيها في اعمال عسكرية ضد ايران، أو أي هجمات من أي جهة كانت، بغض النظر عن وجهتها"، ليشير الى دعم بلاده "لأية جهود من شأنها حل الخلافات بالحوار، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة".

هذا أيضاً موقف سائر حكومات الخليج، وصولاً الى العراق وتركيا، التي تعتبر أن ضرب ايران سيشق الطريق أمام بنيامين نتنياهو للتفكير بـ "الخطر التركي"، كون "اسرائيل" بدافع ايديولوجي أو استراتيجي، لا يمكن أن تقبل بوجود دولة مركزية في المنطقة، ان على المستوى القوة العسكرية أو على مستوى التكنولوجيا العسكرية. حتى أن صحيفة "يسرائيل هيوم" ترى أن "المطرقة التركية"، وحيث رهان رجب طيب اردوغان على احياء السلطنة العثمانية، أشد وقعاً بكثير من "المطرقة الايرانية" ، وذلك بوجود سور طائفي ضارب في الأزمنة، بين ايران والدول العربية، وصولاً الى دول آسيا الوسطى والقوقاز.

قطعاً أي ضربة عسكرية، أياً تكن قوتها أو حدودها، ستجعل المنطقة أمام مشهدية جديدة، دون أن يكون باستطاعة أحد التكهن بمواصفات تلك المشهدية، حتى أن صحفاً خليجية بدأت بالسؤال عن حدود الدور الاسرائيلي اذا زال النظام في ايران، وهل يمكن أن يتوقف عند حدود لبنان أوسوريا أو الأردن ؟ على الأقل سيكون "الزحف المقدس" نحو "اسرائيل الكبرى"، وقد دعا اليه أحد أركان الحركة الصهيونية زئيف شيف، باعتبار أن أرض المحيط باقية على اجترارها لصراعات الماضي، سواء كانت الصراعات الطائفية أم القبلية .

شبكةCNN كشفت أن دونالد ترامب "يدرس امكانية شن ضربة كبيرة على ايران، بعد فشل المحادثات الأولية بين واشنطن وطهران بشأن الحد من برنامج ايران النووي، وانتاج الصواريخ الباليستية في احراز أي تقدم".

أما المتحدث باسم الكرملين دسمتري بيسكوف فقد رأى، بعد تحذير الرئيس الأميركي من نفاد الوقت ان "امكانات اجراء مفاوضات مثمرة لم تستنفد بعد"، معتبراً ان "أي استخدام للقوة لن يؤدي سوى الى اثارة الفوضى في المنطقة، وستكون له عواقب خطيرة للغاية"...

الوضع أكثر تعقيداً وأكثر دقة بكثير مما يظنه بعض الساسة، وبعض الشاشات على الساحة اللبنانية. هؤلاء يتصورون أن سقوط النظام في ايران، يعني دخول الجمهورية في "العصر الذهبي"، لا في "العصر الاسرائيلي". هل يمكن للعمى السياسي والطائفي، أن يصل الى حد اغفال المسار الايديولوجي للدولة العبرية، حيث الوصية الالهية بادارة الشرق الأوسط، كما صرح علناً بنيامين نتنياهو. هنا في هذه المنطقة، وفي نظر "الاسرائيليين"، لا مكان الا لاله اليهود (رب الجنود)...

ثمة من هو مطمئن لكون لبنان تحت المظلة الأميركية، أو داخل المعطف الأميركي. ولكن متى كان هناك من خط فاصل بين السياسات الأميركية والسياسات الاسرائيلية، الا في حالة تبادل الأدوار، لنشير الى أن العين الاسرائيلية الحمراء الى لبنان ، تعود الى ماقبل مراسلات دافيد بن غوريون وموشى شاريت في مطلع الخمسينات من القرن الفائت، ودون أن يكون هناك شك في أن الاعصار الدموي في غزة، أدى الى تغيير المفاهيم والرؤى في المنطقة، التي قال الديبلوماسي الأميركي المخضرم "انها تعيش الآن تفاعلات جيولوجية حادة"، والى حد التساؤل عن نوع الزلزال المتوقع وقوعه، حتماً ليس بالزلزال الأميركي ولا بالزلزال الاسرائيلي.

ميلر الذي يلاحظ أن ترامب يحاول أن يقلد الأباطرة أو الآلهة الرومان، لم يدرك أن الأزمنة تغيرت، وكذلك الأمم، ودون أن يكون هناك من مجال لأي أمبراطورية احتواء تلك الضوضاء التي تشهدها الكرة الأرضية، الا اذا كان الأمبراطور من هواة الهاوية. لعله الصعود الى الهاوية ...!