لماذا تحارب أمريكا أيّ إيران سياديّة؟
كتب باسم الموسوي:
في كل مرة حاولت فيها إيران أن تكون دولة سيّدة بحق، لا تابعًا ولا وكيلاً ولا سوقًا مفتوحة، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. هذا ليس صدفة تاريخية، ولا نتيجة سوء تفاهم ثقافي أو ديني، بل هو منطق إمبراطوري عميق يحكم علاقة القوة العظمى بأي كيان يرفض أن يكون جزءًا من منظومة الخضوع العالمي. فالمشكلة الأمريكية مع إيران لم تكن يومًا أنها شيعية، ولا أنها إسلامية، ولا حتى أنها “ثورية”. المشكلة الحقيقية هي أن إيران، حين تمتلك قرارها، تصبح غير قابلة للإخضاع.
تبدأ هذه القصة الحديثة في لحظة يمكن اعتبارها الجريمة الأصلية في التاريخ الإيراني المعاصر: حكومة محمد مصدّق. حين قرّر مصدّق عام 1951 تأميم النفط الإيراني، لم يكن يخرق عقدًا اقتصاديًا فحسب، بل كان يفكك بنية هيمنة إمبراطورية كاملة. شركة النفط الأنغلو-إيرانية لم تكن شركة عادية، بل كانت أداة سيطرة بريطانية، ثم أمريكية، على قلب الاقتصاد الإيراني. أن يُستعاد النفط يعني أن تُستعاد السيادة، وأن تتحول إيران من مزرعة طاقة للإمبراطورية إلى دولة قادرة على التحكم بثروتها ومسارها. في منطق الإمبراطورية، هذا فعل تمرّد. ولذلك جاء الانقلاب عام 1953 ليعيد الشاه ويحوّل إيران إلى دولة عميلة: دولة لها علم ونشيد وحكومة، لكنها في الحقيقة جزء من شبكة السيطرة الأميركية على الشرق الأوسط. منذ تلك اللحظة، صار الاستقلال الإيراني خطيئة لا تُغتفر.
وعندما انفجرت الثورة عام 1979، لم يكن ما أخاف واشنطن هو الشعارات الدينية أو العمائم السوداء، بل انهيار أكبر قاعدة نفوذ أميركي خارج أوروبا. فجأة، خرجت إيران من نظام البترودولار، من شبكة الاستخبارات الغربية، ومن منظومة الأنابيب السياسية والاقتصادية التي كانت تجعلها أداة في الاستراتيجية الأميركية. كانت الصدمة أن دولة نفطية كبيرة، مركزية، ذات هوية تاريخية، قررت أن تقول “لا”. ومن هنا بدأت كل أدوات الاحتواء: دعم حرب العراق ضد إيران، العقوبات، الحصار، ثم لاحقًا الملف النووي. لكن النووي لم يكن المشكلة الحقيقية؛ السيادة هي التي كانت دائمًا الهدف.
الخطأ الذي ارتكبه كثيرون هو الاعتقاد بأن التشيّع هو جوهر هذا الصراع. في الواقع، التشيّع هنا ليس عقيدة فقهية بقدر ما هو بنية سلطة بديلة. منذ قرون، طوّر التشيّع الاثنا عشري نظامًا فريدًا: الإمام الغائب، النيابة، المرجعية، والسلطة التي لا تستمد شرعيتها من الدولة بل من سلسلة رمزية تمتد إلى ما وراءها. هذا ما يجعل إيران مختلفة عن دول الريع الخليجي أو الأنظمة العسكرية في العالم العربي. المرجع الشيعي لا يُعيَّن في السفارة الأميركية، ولا يُشترى بسهولة، ولا يُقصى بانقلاب. إنها شبكة سلطة لا تخترقها الإمبراطورية بالطرق المعتادة، وهذا وحده يجعل إيران كيانًا خطيرًا في نظر أي قوة تريد إخضاع المنطقة.
ثم هناك البعد الأعمق: إيران ليست دولة قومية عادية. منذ الصفويين، كما يبيّن تاريخها، هي مشروع حضاري-سياسي يرى نفسه وريثًا لإمبراطورية، وحاملًا لهوية مميّزة في وجه العالم السني العثماني سابقًا، والغربي لاحقًا. هذا يجعلها غير قابلة للاندماج في نموذج “الدولة الطبيعية” التي تطلب منها الإمبراطورية أن تفتح أسواقها، وتقبل بالدولار، وتنسق أمنها مع واشنطن.
وفوق ذلك كله، هناك الجغرافيا. إيران ليست على هامش خريطة الطاقة، بل في قلبها: الخليج، بحر قزوين، الغاز، الأنابيب، طرق العبور بين آسيا وأوروبا. من يسيطر على إيران يسيطر على أوراسيا. لذلك لا يمكن السماح لدولة مستقلة أن تمسك بهذه العقدة الجيوسياسية. يجب أن تكون مطيعة أو محاصَرة، شريكة أو معاقَبة، لكن لا يمكن أن تكون سيّدة.
هذا المنطق لم يعد مخفيًا اليوم. وثائق الاستراتيجية الأميركية الحديثة تقول بوضوح إن السياسة الخارجية ليست أخلاقًا ولا قانونًا دوليًا، بل حماية للمصالح القومية بالقوة. وعندما تعلن واشنطن أنها “دمّرت القدرة النووية الإيرانية”، فهي لا تخاطب طهران فقط، بل العالم كله: السيادة التي لا تخضع تُكسر.
في النهاية، أمريكا لا تحارب نظامًا بعينه في إيران. هي تحارب فكرة أن تكون إيران سيّدة نفسها. لو كانت إيران علمانية، ديمقراطية، ملكية، أو إسلامية، لا فرق. المعيار الوحيد هو: هل تخضع أم لا؟ وكل مرة قالت إيران “لا”، جاء الرد على شكل انقلاب، حرب، حصار، أو قصف. لأن في عالم الإمبراطوريات، السيادة ليست حقًا… بل جريمة.


