الولايات المتحدة وُلدت لا كجمهورية تحرر، بل كـ دولة-حصن لحماية اقتصاد العبودية

يناير 10, 2026 - 13:44
 0
 الولايات المتحدة وُلدت لا كجمهورية تحرر، بل كـ دولة-حصن لحماية اقتصاد العبودية

كتب باسم الموسوي:
لم تولد الولايات المتحدة من رحم الحرية كما تحبّ أسطورتها الرسمية أن تروي، بل من رحم الخوف. لم يكن الخوف من التاج البريطاني وحده، بل من شيء أعمق وأكثر وجودية: خوف نخبة المستعمرين البيض من انهيار نظام العبودية الذي كان العمود الفقري لثروتهم وسلطتهم ونظامهم الاجتماعي. هذا هو المعنى الحقيقي لما يسميه جيرالد هورن “الثورة المضادة لعام 1776”: ليست ثورة شعب ضد طغيان إمبراطوري، بل انتفاضة طبقة مالكة للعبيد ضد احتمال أن يفقد العالم الجديد طابعه العبودي بفعل التحولات الجارية في لندن وفي العالم الأطلسي كله.


في منتصف القرن الثامن عشر، لم تكن العبودية مسألة هامشية في الاقتصاد الأميركي الاستعماري، بل كانت هي الاقتصاد نفسه. لم تكن فقط في الحقول، بل في المصارف، وفي التأمين، وفي الشحن، وفي الموانئ، وفي تجارة السكر والتبغ والروم. لم تكن الثروة الاستعمارية الأميركية ممكنة من دون العمل القسري لملايين الأفارقة، ومن دون دورة مالية كاملة مبنية على تحويل البشر إلى أصول قابلة للرهن والتداول. من هذا المنظور، فإن أي اهتزاز في شرعية العبودية لم يكن تهديدًا أخلاقيًا فقط، بل زلزالًا وجوديًا لبنية المجتمع الاستعماري بأسره.


وهنا يدخل العامل الذي قلب التوازن: بريطانيا نفسها. ففي 1772، أصدر القضاء البريطاني في قضية سومرست حكمًا يقرر عمليًا أن العبودية لا أساس قانوني لها في إنكلترا. لم يكن هذا مجرد حدث قضائي، بل كان صدمة سياسية ونفسية عبر الأطلسي. فجأة، أصبحت فكرة أن الإمبراطورية قد تسير نحو إلغاء العبودية احتمالًا واقعيًا. في فرجينيا وكارولاينا ونيويورك، حيث يقوم النظام الاجتماعي كله على القيد والسوط، بدا هذا الاحتمال كتهديد وجودي. إذا كانت العبودية غير قانونية في لندن، فلماذا تبقى قانونية في المستعمرات؟ وإذا كان العبيد قادرين على الطعن في وضعهم أمام قضاة التاج، فما الذي يمنع انتشار هذه العدوى القانونية إلى العالم الجديد؟


لم يكن الرعب مجردًا. فالعبيد لم يكونوا ساكنين. كانوا يقاومون، يهربون، يتمردون، يحرقون، يتآمرون، ويتحالفون. وكانوا يفعلون ذلك بوعي سياسي متزايد. فلوريدا الإسبانية، على سبيل المثال، كانت ملجأً للعبيد الفارين، تمنحهم الحرية والأرض مقابل الولاء العسكري. إسبانيا، مثلها مثل فرنسا، استخدمت العبيد كسلاح استراتيجي ضد بريطانيا ومستعمراتها. في تمرد ستونو في كارولاينا الجنوبية عام 1739، أحد أعنف انتفاضات العبيد في التاريخ الأميركي، كان الهدف السياسي الواضح للثوار هو الوصول إلى فلوريدا الإسبانية، حيث الحرية والسلاح. العبيد فهموا الجغرافيا السياسية أفضل من كثير من السادة.


عندما اندلعت الأزمة بين لندن والمستعمرات في سبعينيات القرن الثامن عشر، كان العبيد قد أصبحوا قوة جيوسياسية. وعندما أصدر الحاكم البريطاني لفرجينيا اللورد دنمور في تشرين الثاني 1775 مرسومه الذي وعد بالحرية لكل عبد ينضم إلى الجيش الملكي، لم يكن ذلك مجرد خطوة عسكرية، بل لحظة انفجار تاريخي. عشرات آلاف العبيد فروا من مزارع المستعمرين وانضموا إلى البريطانيين. فجأة، أصبح مشروع الاستقلال الأميركي في مواجهة ليس فقط الجيش الملكي، بل ثورة سوداء محتملة.


في تلك اللحظة، تبلور المعنى الحقيقي لـ1776. لم يكن الأمر يتعلق بضرائب الشاي ولا بتمثيل برلماني. كان يتعلق بمن يحكم نظام العمل القسري في العالم الجديد. بالنسبة للمستعمرين البيض، كان استقلالهم عن لندن يعني شيئًا واحدًا قبل أي شيء آخر: ضمان ألا يفرض عليهم مركز إمبراطوري متردد أو إلغائي نظامًا قانونيًا يقوض ملكيتهم للبشر. كان إعلان الاستقلال إعلانًا للسيادة على العبودية قبل أن يكون إعلانًا للسيادة على الأرض.


بهذا المعنى، فإن الدولة الأميركية وُلدت بوصفها دولة-حصن. لم تكن جمهورية بالمعنى الكانطي أو الأنوارّي، بل نظامًا سياسيًا صُمم ليحصّن اقتصاد العبودية من الضغوط الخارجية، سواء أتت من لندن أو من مدريد أو من العبيد أنفسهم. الدستور، الفيدرالية، سيادة الولايات، وحتى فكرة “الحرية”، كلها صيغت في فضاء كان السؤال غير المعلن فيه هو: كيف نحافظ على نظام يملك فيه البعض أجساد البعض الآخر؟


وهذا يفسر المفارقة التي يبرزها هورن بقسوة: بينما كانت بريطانيا تتجه تدريجيًا نحو إلغاء تجارة العبيد ثم العبودية نفسها، كانت الولايات المتحدة بعد 1776 تصبح القوة الأكثر ديناميكية في توسيع العبودية وفي قيادة تجارة العبيد غير الشرعية حتى بعد 1808. الجمهورية الجديدة لم تكن انقطاعًا عن العبودية، بل تسريعًا لها. كانت انتقالًا من إمبراطورية بدأت تشك في أخلاقية العبودية إلى دولة قومية قامت على ترسيخها.


من هنا، يصبح تاريخ الولايات المتحدة سلسلة من “ثورات مضادة” متعاقبة. 1776 ضد إلغاء العبودية الإمبراطوري. 1836 عندما انفصلت تكساس عن المكسيك لأن المكسيك ألغت العبودية. 1861 عندما تمردت الولايات الجنوبية دفاعًا عن نظام المزارع. حتى ما بعد 1865، استمرت الثورة المضادة في شكل جيم كرو، الفصل العنصري، والسجن الجماعي. إنها استمرارية بنيوية لدولة وُلدت لتكون حصنًا ضد تحرر السود.


الأسطورة الليبرالية الأميركية، التي ترى في 1776 لحظة ميلاد الحرية الحديثة، هي في هذا المنظور أسطورة إنكارية. إنها تخفي حقيقة أن الحرية البيضاء بُنيت على العبودية السوداء، وأن الجمهورية الأميركية لم تكن أداة تحرر، بل جهاز إدارة عنف. وكما يقول هورن بوضوح قاتم، فإن هزيمة مشروع العبيد لتحرير أنفسهم في القرن الثامن عشر لم تختفِ، بل تحولت إلى عقاب تاريخي طويل المدى، يُعاد إنتاجه بأشكال جديدة من التهميش والعنف.


هكذا، لا يعود السؤال لماذا كانت أميركا عنصرية، بل لماذا وُلدت لتكون كذلك. لم يكن ذلك انحرافًا عن المشروع، بل تحقيقًا له. الجمهورية لم تخن وعدها؛ بل أوفت به. وعدها الحقيقي لم يكن الحرية للجميع، بل الأمن الدائم لاقتصاد قام على تحويل البشر إلى أشياء.