تفكيك المركز لا استبداله: في نقد أطروحة «تصفية الاستعمار المعرفي» 

يتناول هذا المقال قراءة نقدية معمّقة لكتاب «تصفية الاستعمار المعرفي: العلوم الاجتماعية ونظرية الجنوب» لرايوين كونيل، مسلطًا الضوء على نقد المركزية الأوروبية في السوسيولوجيا، وتاريخ تشكّل الكانون الكلاسيكي، وإشكاليات بناء معرفة اجتماعية كونية غير متمركزة. يناقش المقال مفهوم «نظرية الجنوب» وحدوده النظرية، ويستكشف راهنية أطروحة تصفية الاستعمار المعرفي في السياق العربي، بين استيراد النظريات الغربية وإمكانات إنتاج معرفة نقدية من موقع تاريخي مختلف.

يناير 8, 2026 - 09:32
 0
 تفكيك المركز لا استبداله: في نقد أطروحة «تصفية الاستعمار المعرفي» 

 كتب باسم الموسوي:
لم يعد مفهوم «تصفية الاستعمار المعرفي» مجرّد شعار أكاديمي، بل تحوّل في العقدين الأخيرين إلى أفقٍ نظري وسياسي يعيد طرح سؤال المعرفة من جذوره: من ينتجها؟ ولمن تُنتَج؟ وبأي شروط تاريخية وسلطوية؟ في هذا السياق يندرج كتاب تصفية الاستعمار المعرفي: العلوم الاجتماعية ونظرية الجنوب لرايوين كونيل، بوصفه أحد النصوص الأكثر تأثيرًا في مساءلة السوسيولوجيا الكلاسيكية ونقد مركزيتها الأوروبية. غير أن قوة هذا الكتاب لا تكمن فقط في تفكيكه التاريخي لأصول «الكانون» السوسيولوجي، بل في التوترات والأسئلة التي يفتحها، وربما يعجز أحيانًا عن حسمها.


تنطلق كونيل من فرضية صادمة في بساطتها: السوسيولوجيا لم تنشأ بوصفها علمًا محايدًا لتحليل «المجتمع الحديث»، بل كمعرفة متورطة بنيويًا في مشروع الإمبراطورية. فالمراكز التي أنتجت هذا العلم — باريس، لندن، برلين، شيكاغو — لم تكن مختبرات فكرية معزولة، بل عواصم قوة عالمية في ذروة التوسع الاستعماري. من هنا، يصبح من الصعب فصل المفاهيم المؤسسة للسوسيولوجيا — التقدم، الحداثة، التطور، العقلنة — عن البنية الكولونيالية التي منحتها معناها واتجاهها.


أبرز ما يميز مقاربة كونيل هو رفضها للتاريخ «الداخلي» للفكر الاجتماعي، أي السردية التي تُقدّم تطور السوسيولوجيا بوصفه تتابعًا نظريًا خالصًا بين ماركس ودوركهايم وفيبر. هذا «الثالوث المقدّس»، كما تسميه ضمنيًا، لم يكن في نظرها نتيجة تفوق معرفي محض، بل ثمرة عملية مؤسسية طويلة أعادت كتابة تاريخ العلم بعد انهيار السوسيولوجيا التطورية عقب الحرب العالمية الأولى. فالكلاسيكيات لم تُكتشف، بل صُنعت، وأُعيد ترتيبها لتناسب حاجات الجامعة الأميركية في زمن الحرب الباردة وبناء الدولة الليبرالية.


غير أن النقد هنا لا يتوقف عند فضح الخلفية الإمبريالية للكانون، بل يتجاوزها إلى مساءلة أدوات المعرفة ذاتها. فالمنهج المقارن، الذي يُقدَّم عادة بوصفه ذروة العلمية، يتحول في تحليل كونيل إلى «عين إمبراطورية» ترى العالم من علٍ، وتتعامل مع المجتمعات غير الأوروبية بوصفها مواد خام للقياس والتصنيف. المقارنة هنا ليست تبادلية، بل أحادية الاتجاه: المركز يقارن، والهامش يُقارن به.


مع ذلك، فإن أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للنقاش يكمن في مفهوم «نظرية الجنوب» الذي تطرحه كونيل بوصفه أفقًا بديلًا. الجنوب هنا ليس جغرافيًا فقط، بل موقع معرفي تشكّل عبر تجربة الاستعمار، التبعية، والعنف البنيوي. في هذا الجنوب، ترى كونيل إمكانات نظرية حقيقية، لا مجرد «دراسات حالة» تُضاف إلى نظرية جاهزة. لكنها في الوقت نفسه تحرص على ألا تقع في فخ الرومانسية المعكوسة، أي تمجيد الجنوب بوصفه فضاءً نقيًا أو أخلاقيًا بالضرورة.


هنا تحديدًا يظهر التوتر المركزي في أطروحة كونيل. فهي من جهة ترفض استبدال مركزية بأخرى، ومن جهة ثانية لا تقدّم معيارًا واضحًا لكيفية بناء معرفة كونية غير متمركزة. هل تكفي تعددية المواقع؟ أم أن المعرفة تحتاج إلى أفق مشترك يتجاوز الانقسام بين مركز وهامش؟ هذا السؤال يظل معلقًا في الكتاب، وربما يعكس مأزقًا أعمق في مشاريع تصفية الاستعمار المعرفي عمومًا.


فالمعرفة، بخلاف السلطة السياسية، لا تُفكَّك فقط بإزاحة مركز وإقامة آخر. ثمة خطر حقيقي من أن تتحول «نظرية الجنوب» إلى تصنيف جديد، أو إلى هوية معرفية مغلقة، تُستَخدم أحيانًا بوصفها درعًا أخلاقيًا يعفيها من النقد. كونيل واعية لهذا الخطر، لكنها لا تحسمه نظريًا، بل تتركه مفتوحًا بوصفه مسارًا تجريبيًا أكثر منه نموذجًا مكتملًا.


في السياق العربي، تكتسب أطروحة كونيل أهمية مضاعفة. فالعلوم الاجتماعية في العالم العربي عاشت غالبًا بين خيارين: إما استيراد نظريات جاهزة من المركز وتطبيقها قسرًا على واقع مختلف، أو الانكفاء إلى خطاب هوياتي يرفض «الغرب» دون أن ينتج أدوات تحليل بديلة. ما تقترحه كونيل يفتح إمكانًا ثالثًا: لا القطيعة مع التراث السوسيولوجي العالمي، ولا الخضوع له، بل إعادة قراءته من موقع تاريخي مختلف، واعٍ لشروط إنتاجه وحدوده.


لكن هذا الإمكان يظل مشروطًا بقدرة الباحثين في الجنوب — والعالم العربي جزء منه — على تجاوز مجرد النقد إلى البناء. فتصفيـة الاستعمار المعرفي لا تعني الاكتفاء بفضح المركزية الأوروبية، بل تستلزم عملًا نظريًا شاقًا لإنتاج مفاهيم قادرة على تفسير الواقع المحلي دون الانغلاق عليه. وهذا ما لا يقدّمه كتاب كونيل بوصفه وصفة جاهزة، بل بوصفه دعوة مفتوحة.


في النهاية، يمكن القول إن قيمة تصفية الاستعمار المعرفي لا تكمن في أجوبته النهائية، بل في زعزعته للأسئلة الموروثة. إنه كتاب يُربك أكثر مما يُطمئن، ويُشكك أكثر مما يؤسس. وربما في هذا تكمن أهميته: فهو لا يَعِدُنا بعلم اجتماعي «مُطهَّر» من السلطة، بل يدعونا إلى وعي دائم بأن المعرفة، مثل السياسة، مجال صراع لا ينتهي، وأن تفكيك المركز ليس لحظة أخلاقية، بل عملية تاريخية طويلة، محفوفة بالتناقضات، ولا غنى عنها إذا أردنا علمًا اجتماعيًا أقل عنفًا وأكثر عدلًا.