العلامة فضل الله: على الدولة اللبنانية الحفاظ على سيادة هذا البلد وأمن مواطنيه

يناير 2, 2026 - 12:21
 0
العلامة فضل الله: على الدولة اللبنانية الحفاظ على سيادة هذا البلد وأمن مواطنيه

 ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام محمّد الجواد (ع) هذا الإمام الّذي استعدنا ذكرى ولادته المباركة في العاشر من شهر رجب، عندما قال: أوصيكم بثلاث مَن كُنَّ فيه لم يندمْ: تَرْك العَجَلة، والمشورة، والتّوكل على الله عز وجل عند العزم. فإنّ التّأنّي من الله والعجلة من الشّيطان... ومن شاور النَّاس شاركهم عقولهم وما خاب مَن استشار وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.


أيّها الأحبّة... إنّنا أحوج ما نكون إلى هذه الوصيّة، الّتي تدعونا وحتّى لا نندم إلى أن نتأنّى في اتّخاذ القرارات والمواقف وإطلاق الكلمات أن لا نستعجل فيها بل نتّخذها بناء على دراسة ووعي وتدبّر لنتائجها وأن يكون مبدأنا في الحياة أن نشاور من يملكون القدرة على تسديدنا وإعطائنا الرّأي الصّحيح في كلّ ما نريد أن نقدم عليه فمن شاور النّاس شاركهم في عقولهم وما خاب من استشار وفي ذلك التزام بأمر الله عندما قال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} وأن نرى الله حاضرًا في حياتنا وأنّه خير سند ومعين عندما تواجهنا الضّغوط وتعصف بنا الأزمات وهو عند وعده عندما قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وبذلك سنكون أقوى وأقدر على مواجهة التّحدّيات.


والبداية من لبنان الّذي يطوي فيه اللّبنانيّون سنة كانت مليئة بالتّحدّيات والآلام والأحزان بفعل اعتداءات العدوّ الصّهيونيّ والّتي لم تتوقّف رغم قرار وقف إطلاق النّار واستجابة لبنان، الدّولة والمقاومة لهذا القرار، فيما لا يبدو أنّ السّنة الجديدة ستحمل إليهم ما يصبون إليه من أمن وأمان واستقرار، بل قد يسعى العدوّ فيها إلى المزيد من الضّغوط لتحقيق الأهداف الّتي يريدها من هذا البلد والّتي لن تقف عند سحب السّلاح من جنوب اللّيطاني بل سيسعى إلى المطالبة بنزعه من كلّ لبنان... وإنشاء منطقة أمنيّة منزوعة السّلاح والّتي تمسّ أكثر من ستّ وثلاثين قرية لبنانيّة، والسّماح له بحريّة الحركة في كلّ لبنان لاستهداف أيّ مكان يدّعي أنّه تهديد له...


من دون أن يقدّم أيّ التزام بتنفيذ ما عليه من بنود الاتّفاق مستفيدًا في ذلك من تفوّقه العسكريّ ومن التّغطية الدّوليّة الّتي تأمّنت له.


ولعلّ من المؤسف هنا القول إنّ كلّ المبادرات تجاه لبنان واللّقاءات الّتي تحصل على اسمه تدعو الدّولة إلى الإسراع بتنفيذ ما تدعى إليه لسحب السلاح من الأراضي اللّبنانيّة كافّة من دون أن يقوم أصحابها بالضّغط على الكيان الإسرائيليّ لإلزامه بتنفيذ المطلوب منه؛ بل نجد من يشجّع هذا الكيان على الاستمرار باعتداءاته وممارسة ضغوط أكثر على لبنان واللّبنانيّين.


ومن هنا فإنّنا نجدّد دعوتنا للدّولة اللّبنانيّة المعنية بالحفاظ على سيادة هذا البلد وأمن مواطنيه إلى القيام بدورها وبذل أقصى جهودها لمنع العدوّ من تحقيق هذه الأهداف بإصرار لبنان على مواقفه الّتي تدعو الدّول الرّاعية لإيقاف وقف إطلاق النّار بإلزام العدوّ بتنفيذ التزاماته الّتي تفرض عليه إيقاف اعتداءاته والانسحاب من المواقع الّتي احتلّها وإطلاق سراح الأسرى من سجونه وأن يستعين على ذلك بعناصر القوّة الّتي يمتلكها في الدّاخل والّتي لا ينبغي التّقليل من شأنها واستنفار علاقاته في الخارج... ويبقى الأهم هو تعزيز الوحدة الدّاخليّة وإزالة كلّ دواعي الانقسام الّتي تهدّد مناعة هذا البلد وقدرته على مواجهة التّحدّيات.


في الوقت الّذي نجدّد فيه دعوتنا للّبنانيّين إلى وعي خطورة هذه المرحلة الّتي ترسم فيها خرائط جديدة للمنطقة والّتي قد لا يكون لبنان بمنأى عن تداعياتها ما يدعوهم إلى تجميد خلافاتهم والكفّ عن تسجيل النّقاط، أو التّصويب على بعضهم البعض بما يؤدّي إلى زيادة منسوب التّوتّر، بل أن تنصبّ كلّ الجهود للحفاظ على بلد هو في دائرة الاستهداف ومهدّد في مصيره ومستقبله وسيدفع الجميع الثّمن إذا حقّق العدوّ أهدافه فيه...


ونحن هنا نجدّد دعوتنا لكلّ من هم في مواقع المسؤوليّة والقرار إلى التّلاقي لدراسة كيفيّة مواجهة هذا التّحدّي والخروج منها بدلًا من التّراشق الجاري بالاتّهامات للوصول إلى موقف موحّد حتّى لا يبقي البلد أسير الانقسام الّذي نشهده والّذي يستفيد منه العدوّ وكلّ من لا يريد خيرًا به. ونحن في الوقت الّذي نشير إلى التّحدّي الأمنيّ الّذي نواجهه في هذه المرحلة لا بدّ لنا من أن لا نغفل عن أهميّة مواجهة التّحدّي الاقتصادي والماليّ الّذي من الطّبيعيّ أن يترك تداعياته على الصّعيد السّياسيّ والأمنيّ وأن يكون وسيلة ضغط على الدّولة اللّبنانيّة واللّبنانيّين، ما يدعو الدّولة اللّبنانيّة إلى العمل بكلّ جهد لمعالجة جادّة ومدروسة على هذا الصّعيد والقيام بكلّ الإصلاحات الّتي تضمن تحسين الوضع الاقتصاديّ وعودة الانتظام المالي للدّولة وبما يضمن تأمين احتياجات المواطنين على الصّعيد المعيشيّ وعودة أموال المودعين كاملة إليهم.


ونتوقّف عند اللّقاء بين الرّئيس الأميركيّ ورئيس وزراء العدوّ الّذي أريد منه أن يرسم معالم المرحلة القادمة مستفيدًا ممّا تحقّق على الصّعيد العسكريّ والأمنيّ، بهدف بناء شرق أوسط جديد يكون فيه للكيان الصّهيونيّ اليد الطّولى، وإذا كان هناك أدوار لدول أخرى فهي سوف تكون على هامش الدّور الأميركيّ الصّهيونيّ أو تحت سيطرته، يأتي ذلك في ظلّ تغييب واضح لحضور العالم العربيّ والإسلاميّ بحيث اتّخذت القرارات الّتي تتعلّق بمصيره من دونه، وقد تكون على حساب دوله، إنّ من المؤسف أن يجري ذلك في وقت تستعر فيه الصّراعات داخل هذا العالم والانقسامات الحادّة فيه والّتي تأخذ بعدًا طائفيًّا ومذهبيًّا أو قوميًّا أو سياسيًّا أو أمنيًّا ما ساهم ويسهم في تعزيز العدوّ لمواقعه ونفوذه ويدعوه إلى أن يواصل اعتداءاته  الّتي تحصل كلّ يوم في فلسطين ولبنان وجنوب سوريا وإلى تهديد إيران بعد أن وصلت أطماعه إلى مدّ نفوذه إلى أرض الصّومال بما يمكّنه من التّحكّم بأمن المنطقة ومصيرها...


ومن هنا، فإنّنا ندعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى مزيد من الوعي لما يحاك لها، وأن تسارع إلى توحيد جهودها والتّكاتف فيما بينها ونبذ خلافاتها لمواجهة ما يتهدّدها وهي القادرة بما تمتلك من ثروات وإمكانات ونفوذ ما يجعل حضورها فاعلًا ومؤثّرًا وقويًّا وأن توفّر شبكة أمان للمنطقة هي أحوج ما نكون إليها...