حين يتكلم الفن بلسان الإنسان… حكاية جورج خبّاز

منذ المشاهدة الأولى لفيلم «غدي»، أدركت أننا أمام حالة فنية غير مألوفة. فهناك شيء مختلف تمامًا في الطريقة التي يقدّم بها جورج خبّاز الحكاية… زاوية نظر لا تشبه أحدًا، وهالة قبول نادرة تمتزج بذكاء فنان وحنكة مفكّر. جعلنا خبّاز – من خلال «غدي» – لا نكتفي بالمشاهدة، بل نشارك الطفل في دهشته، ونمشي معه في تفاصيل «عجائبه» التي تحمل في جوهرها رسالة واحدة: أن الفنان الحقيقي هو إنسان أولاً، يرى العالم بقلبٍ مفتوح وعينٍ قادرة على التقاط ما يعجز الآخرون عن ملاحظته.

نوفمبر 6, 2025 - 10:32
نوفمبر 12, 2025 - 15:15
 0
حين يتكلم الفن بلسان الإنسان… حكاية جورج خبّاز

  يحتفل لبنان بعيد ميلاد فنانٍ استثنائي، استطاع أن يخرج من حدود المسرح المحلي إلى فضاءٍ عربي وعالمي واسع: جورج خبّاز، صاحب الحضور الفريد والموهبة المتعددة التي جعلته حالة فنية قائمة بذاتها.

منذ طفولته، وُلد خبّاز في حضن المسرح، ونشأ في بيتٍ يتنفس الفن، ليقف على الخشبة لأول مرة وهو لم يبلغ الخامسة. ومنذ انطلاقته الاحترافية عام 1994، راكم مسيرة متينة رسّخت اسمه واحدًا من أهم صنّاع المسرح والدراما في لبنان.

لكن ما يجعل خبّاز نموذجًا فريدًا هو قدرته على اختراق الحدود والوصول إلى منصّات عالمية، بفضل أعمال إنسانية الطابع حملت هواجس الناس، وطرحت الأسئلة الكبرى من نافذة التفاصيل الصغيرة.

إنجازات عالميّة رسخت اسمه خارج لبنان

«تحت القصف»… محطة الانطلاق نحو السينما العالمية

عام 2007 قدّم خبّاز واحدًا من أهم أدواره السينمائية في فيلم «Under the Bombs – تحت القصف» للمخرج فيليب عرباجي. الأداء العميق والحقيقي الذي قدّمه جعله يحصد جائزة أفضل ممثل في مهرجان روتردام السينمائي الدولي عام 2008، ليفتح أمامه أبواب السينما العالمية ويضع اسمه على خريطة الممثلين العرب الذين وصلوا إلى منصّات دولية مرموقة.

كما عُرض الفيلم في أكثر من 50 مهرجانًا عالميًا، من بينها لوكارنو والبندقية وبرلين، لينقل وجع الحرب اللبنانية إلى العالم باللغة التي يتقنها خبّاز: الإنسانية الصادقة.

«غدي»… العمل اللبناني الذي وصل إلى الأوسكار

في 2013، كتب خبّاز وأدّى بطولة فيلم «غدي»، الذي تحوّل بسرعة إلى أحد أهم الأفلام اللبنانية الحديثة. بفضل رسالته الإنسانية وعمقه الدرامي، اختَير الفيلم ليمثّل لبنان رسميًا إلى جوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي، وهو إنجاز بارز أدخل خبّاز إلى دائرة الأعمال المرشّحة دوليًا.

عُرض «غدي» في مهرجانات عالمية من بينها دبي، مراكش، وروما، ونال جوائز عدة تقديرًا لرسالته الأخلاقية والفنية.

«وينن»… فيلم لبناني بروح عالمية

واصل خبّاز تعزيز حضوره السينمائي من خلال فيلم «وينن» (2014)، الذي شارك في كتابته وبطولته، ليقدّم قراءة إنسانية جديدة لوجع الحرب الأهلية. لاقى الفيلم صدى عربيًا ودوليًا، وشارك في مهرجانات دولية، مما رسخ قدرة خبّاز على إيصال القضايا اللبنانية بصورة فنية عابرة للحدود.

تكريمات مرموقة… اعتراف دولي ومحلي

لم يمرّ هذا العطاء دون تقدير، فحصد خبّاز عبر مسيرته مجموعة من الجوائز التي تؤكد مكانته عالميا كأفضل ممثل في مهرجان روتردام ونيله وسام الاستحقاق اللبناني الفضي مؤخرا بالاضافة الى جوائز محلية وهي تكريمات تعكس ليس فقط موهبته، بل دوره في جعل الفن اللبناني حاضرًا على الخارطة الثقافية العالمية.

رسالة تتجاوز الفن

على الرغم من نجاحاته، لم يتخلّ خبّاز يومًا عن هدوئه وتواضعه. يؤمن بأن الفن رسالة أخلاقية قبل أن يكون ترفيهًا… رسالة تهدف إلى بناء الإنسان وإحياء الأمل في مجتمع أثقلته الانقسامات، لكنه لا يزال ينهض على أكتاف مبدعين يحملون وجعه وابتسامته في آن.

عيد ميلاد جورج خبّاز ليس مجرد مناسبة شخصية، بل هو احتفال بلبنان الثقافي، ببلدٍ ما زال قادرًا على إنتاج فنانين يشبهون روحه العميقة وإنسانيته.
إنه يوم نحتفي فيه برجل أعاد للمسرح وهجه، وللدراما صدقها، وللسينما اللبنانية حضورها العالمي.