الأداة المشروخة للقذارة الغربية

خبر من Goodpresslb

نوفمبر 2, 2025 - 14:15
 0
كتب : وليد شرارة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، ليس شخصية تاريخية بكل تأكيد، حاله في ذلك حال جميع زعماء الغرب حالياً. غير أن تصريحه عن قيام إسرائيل بالمهمة القذرة نيابة عن الغرب في الحرب على إيران، سيُدخله التاريخ، نظراً إلى الطبيعة التاريخية لنتائج هذه الحرب والتداعيات الناجمة عن مآلاتها بالنسبة إلى الإقليم العربي- الإسلامي برمّته، وحتى بالنسبة إلى مستقبل موازين القوى بين المعسكر الأميركي - الإسرائيلي - الغربي من جهة، ودول كالصين وروسيا من جهة أخرى. أفصح ميرتس عن حقيقة المنظور السائد في أوساط النخب الحاكمة الغربية حيال هذه الحرب، تماماً كما كشف كلام الجنرال البريطاني، إدموند اللمبي، بعد دخول قواته القدس في 11 كانون الأول 1917، عن واقع الرؤية الغربية آنذاك، عندما قال: «اليوم انتهت الحروب الصليبية». ميرتس ليس اللمبي، لكنه كمسؤول غربي من الصف الأول، جهر بصوت عال بما يهمس به نظراؤه الغربيون حول طبيعة المواجهة الراهنة وأهدافها. أما القائد الفعلي للعمليات العسكرية، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد حدّد هدف تلك العمليات المركزي عندما دعا القيادة الإيرانية إلى «استسلام غير مشروط»، ولوّح باللجوء إلى القوة العسكرية مباشرة لإرغامها على ذلك. كما أبدى استعداده للعودة إلى مفاوضات جديدة، صورية، لإجبار إيران على التوقيع على صكّ الاستسلام. غير أن الغاية البعيدة الأمد ليست الحصول على تخلّي إيران عن حقها في التخصيب، وإذعانها للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، بل خلق الظروف الملائمة لإسقاط نظامها الإسلامي، تمهيداً لقلب موازين القوى في الإقليم برمّته، لصالح هيمنة حصرية أميركية - إسرائيلية عليه، وعلى جميع بلدانه المعادية أو «الصديقة» لواشنطن. يعتمد الرئيس الأخرق، حتى اللحظة، على الأداة الإسرائيلية التي أظهرت الردود الإيرانية حدود قوتها، وحقيقة أنها مشروخة، فيما سيضطر، إذا أصرّ على تحقيق أهدافه وغاياته، إلى دخول الحرب، وتحمّل مفاعيلها التي تعجز قدراته الذهنية المحدودة عن تصوّر مدياتها وآثارها. في المقابل، استوعبت إيران الضربات الأولى التي استهدفت عدداً من كبار قادتها العسكريين والأمنيين وبعض منشآتها النووية والعسكرية، وباشرت في عمليات قصف مستمرة للعمق الصهيوني ولمراكز العدو الحيوية العسكرية والأمنية. ولا حاجة، هنا، إلى تكرار ما بات محط إقرار جميع الخبراء والمتابعين لمجريات الصراع مع الكيان الصهيوني منذ زرعه في منطقتنا، عن الطبيعة الاستثنائية وغير المسبوقة لما يتعرّض له الأخير من قصف تدميري، ووقعه الكارثي على المبرّر الأساسي لقيامه، باعتباره ملجأ آمناً لقطعان الصهاينة، وعلى وظيفته الوجودية كقاعدة للسيطرة الغربية مولجة بالمهام القذرة. المقاربة التي يتّبعها ترامب في إقليمنا حتى الآن هي المضي في الهجوم، من خلال أداته الإسرائيلية في غزة ولبنان، وربما بالشراكة معها في إيران سبق لتيودور هيرتزل، مؤسّس الحركة الصهيونية، أن عرّف هذه الوظيفة في كتابه «دولة اليهود»، عندما رأى أن الأخيرة ستكون «القلعة المتقدّمة لأوروبا في مواجهة آسيا البربرية»؛ وأعاد المستشار الألماني التذكير بالوظيفة نفسها بعد حوالي 130 سنة. لم يتوقف نتنياهو وأعضاء حكومته، والعديد من المسؤولين الأمنيين الصهاينة السابقين، كعاموس يدلين مثلاً، عن التأكيد أن إسرائيل، بعد حرب لبنان في الخريف الماضي، وانهيار النظام في سوريا، أضحت قادرة على إعادة صياغة الشرق الأوسط وإنشاء منظومة إقليمية خاضعة لسيطرتها. ظنّ جميع هؤلاء أن العقبة الوحيدة أمام تحقّق مثل هذا المشروع هي إيران، واستندوا إلى تقدير للموقف مفاده أنه، بعد عقود من الحصار والحرب، وبعد «الإنجازات» الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، وصلت الجمهورية الإسلامية إلى مستوى من الضعف يتيح للتحالف الإسرائيلي - الأميركي استهدافها، وإطلاق مسارات تفضي إلى انهيار نظامها، وربما تفكّك وحدتها الترابية أيضاً. منعت غطرسة القوة المتضخّمة في أذهان القادة الصهاينة، بعض المعجبين بهم من القادة الغربيين، من إدراك القدرات الكبيرة، العسكرية والأمنية، التي تمتلكها الجمهورية الاسلامية، وعناصر القوة والمنعة الموجودة لديها وفي مجتمعها الحضاري العريق، الذي تعيد قطاعات بعينها منه، خاصة بين الأجيال الشابة، اكتشاف مدى عمق توصيف الإمام الخميني العظيم لإسرائيل باعتبارها «غدة سرطانية»، تعمل على تدمير المجتمعات المحيطة بها ومقوّمات تطورها أو حتى بقائها. كما أن ثمة نقطة أخرى شديدة الأهمية تعامى عنها القادة المتغطرسون، الإسرائيليون والغربيون، وهي الموقف المعارض وحتى المعادي لمشروع الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم، من قبل شعوب المنطقة - وهذا معروف -، وكذلك من أنظمتها، بما فيها تلك «الصديقة» لواشنطن. المواقف الرسمية الصادرة عن دول مثل باكستان وتركيا ودول الخليج ومصر، الواضحة في إدانتها للعدوان الإسرائيلي، ليست تفصيلاً غير ذي مغزى؛ علماً أن بعض مسؤولي هذه الدول، وتحديداً في الخليج، سبقت لهم الإشارة منذ بضع سنوات إلى وجود عدو مشترك لبلدانهم وإسرائيل، وهو إيران. لقد تبدّلت المواقف جدياً منذ ذلك التاريخ، نتيجة لتحسن علاقات إيران مع جميع هذه الدول، ولكن أيضاً - وهذا معطى شديد الأهمية -، بسبب التغوّل الإسرائيلي في الإقليم، وخشية دوله من نتائج هذا التغوّل على أمنها واستقرارها، وربما حتى من مطامع العدو في نفطها، أو من سعيه للحد من نفوذها، أو استهداف قدراتها النووية بالشراكة مع الهند - بالنسبة إلى باكستان -. ليس لإسرائيل من حلفاء في الإقليم، بل دول تخاف، في الحد الأدنى، من تمدّدها، وتبحث عن سبل لوقفه. وقد لفت والي نصر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جون هوبكينز، في مقال على موقع «فورين أفيرز» في الـ10 من هذا الشهر بعنوان «ميزان القوى الجديد في الشرق الأوسط»، إلى أهمية ما سيترتب على هذا التغيّر في موقف الدول المحورية في الإقليم من التغوّل الإسرائيلي، من مفاعيل على موازين القوى فيه. يتّضح مما سبق أن الأداة المشروخة الإسرائيلية ستعجز عن أداء مهمتها القذرة بمفردها ضد إيران، وأن إنجازها يتطلّب تدخلاً أميركياً مباشراً في الحرب. هل سيتورط ترامب في حرب مع إيران؟ جزم الكثيرون أن الرئيس الأخرق لا يريد التورط في الحروب، وأنه سيمنح الأولوية للأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة، وسيسعى للتوصل إلى صفقات مع روسيا والصين للتفرغ لعملية «الإحياء الوطني» التي شرع فيها من أجل استعادة عظمة أميركا، قبل الانطلاق مجدّداً نحو العالم. وكان أ.ويس. ميتشيل، أحد المؤسسين لـ»ماراثون إينيشياتيف» (The Marathon Initiative)، وهو مركز دراسات مقرّب من ترامب، ساهم في تأسيسه أيضاً الريدج كولبي، مساعد وزير الدفاع الأميركي الحالي للسياسات، قد أوصى في مقال نشره في عدد أيار / حزيران من «فورين أفيرز» بعنوان «عودة دبلوماسية القوى العظمى»، إلى اعتماد سياسة خارجية تقوم على عدم استعداء جميع الخصوم المحتملين للولايات المتحدة والعمل للتوصل إلى صفقات معهم لتأجيل المواجهة، ريثما تصبح الظروف أكثر ملاءمة لواشنطن في المستقبل. بكلام آخر، لا ضير في السعي للتوصل إلى تفاهمات مع قوى كبرى كروسيا والصين، وحتى الاعتراف بمناطق نفوذ لها، ولكن في مقابل إقرار هذه الأخيرة بمناطق نفوذ حصرية للولايات المتحدة. وهو يدعو صنّاع القرار في بلاده إلى اتّباع سياسة «فرّق تسد» والتركيز على عدو واحد فقط، وايجاد السبل لتحييد الآخرين أو كسبهم عند مجابهته. ومن دون الافتراض أن سياسة ترامب الخارجية تأتي كترجمة حرفية لهذه الرؤية، فإن متابعة تطور تعامله مع روسيا والصين تشي بأنه يحاول تخفيض التوتر معهما، من دون أن ينجح بالضرورة في التفرّغ لملفات أخرى، وبينها الإقليم العربي - الإسلامي. المقاربة التي يتّبعها ترامب في إقليمنا حتى الآن هي المضي في الهجوم، من خلال أداته الإسرائيلية في غزة ولبنان، وربما بالشراكة معها في إيران، لمحاولة تحقيق أهداف الحرب المشار إليها سابقاً، والدفع في اتجاه إسقاط النظام الإسلامي. وهو مقتنع بأن نجاحه في مثل هذا الأمر سيسمح له بإعادة جميع دول المنطقة إلى بيت الطاعة الأميركي الحصري، بعد أن اتجهت تلك الدول في المرحلة الماضية إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والتجارية والسياسية وحتى العسكرية مع منافسيه الدوليين، وإحكام سيطرة أميركية دائمة عليها. لكنّ هذه الطموحات الخرقاء تتجاهل الأثمان الباهظة، السياسية والبشرية والمادية التي ستتكلّفها بلاده وربيبها الصهيوني عند صيرورة الإقليم برمّته، وليس إيران وحدها، كتلة من لهب.