الهدنة أولاً… وبناء الدولة شرط أي سلام
كتب د.علي بيضون
في هذه المرحلة، لا يمكن التعامل مع مسألة السلام باعتبارها خياراً مطروحاً بشكل مباشر، لأن أي سلام لا يقوم على توازن واضح وعدالة حقيقية لن يكون مستقراً، بل سيكرّس اختلالاً أكبر في ميزان القوى. من هنا، فإن الأولوية ليست للسلام، بل لوقف الحرب عبر مسار مسؤول ومدروس.
بناءً على ذلك، أرى أن المدخل الواقعي الوحيد اليوم هو هدنة جدّية وملزمة، تقوم على وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب من الأراضي المحتلة، وتسليم الأسرى. هذه الخطوة ليست نهاية لمسار سياسي، بل شرط أساسي لوقف الانهيار وفتح الباب أمام أي معالجة لاحقة.
غير أن الهدنة وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع مراجعة داخلية عميقة. فلبنان اليوم يعاني من أزمة بنيوية في الدولة، انعكست على كل المستويات: من الانهيار الاقتصادي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن النهج السياسي القائم، سواء ما يُعرف بالثنائي أو اليمين المسيحي، لم ينجح في بناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها وإدارة أزماتها.
هذا الفشل الداخلي يتقاطع مع واقع خارجي شديد الاختلال، حيث يتفوق العدو عسكرياً، لكنه أيضاً يتقدم اقتصادياً وزراعياً وتكنولوجياً، في حين لا يزال لبنان عاجزاً عن معالجة أزمته المالية، وعلى رأسها ملف الودائع واستعادة حقوق الناس. هذا الواقع يجعل أي حديث عن سلام متكافئ اليوم غير واقعي.
من هنا، يصبح المسار المنطقي مترابطاً وواضحاً، يقوم على ثلاث مراحل أساسية:
١- هدنة طويلة الأمد تمنع الانزلاق إلى الحرب وتؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار
٢- إعادة بناء الدولة عبر استعادة سلطة القرار، وإطلاق إصلاحات جذرية في الاقتصاد والقطاع المالي، واسترجاع الثقة بالمؤسسات
٣- الانتقال لاحقاً إلى أي تفاوض سياسي من موقع أكثر توازناً وقوة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تكون معزولة عن محيطها، بل يجب أن تندرج ضمن إطار عربي أوسع، يكون فيه للدور السعودي موقع أساسي، وعلى قاعدة حل الدولتين كمدخل لأي استقرار حقيقي في المنطقة.
بناءً على ذلك، فإن الموقف الواضح هو أن السلام ليس قراراً يُتخذ تحت الضغط، بل نتيجة مسار متكامل يبدأ بالهدنة، ويمر بإعادة بناء الدولة، وينتهي بتوازن يسمح بتسوية عادلة. وحتى ذلك الحين، تبقى الهدنة هي الخيار الواقعي، وبناء الدولة هو الأولوية المطلقة.


