لبنان يخرج من لعبة المحاور
كتب سعد شعنين- "ام تي في":
يدخل لبنان مرحلة مختلفة هذه المرّة، لا لأن التفاوض مع إسرائيل يشكّل سابقة بحد ذاته، بل لأن الإطار الذي يتم داخله تغيّر. فبين مسار تفاوض مباشر يتقدّم، وتعثر واضح في المفاوضات بين الولايات المتحدة الاميركية و ايران ، يبرز تحوّل أساسي فلبنان يتجه، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، إلى فصل مساره التفاوضي عن الاشتباك الإقليمي الأوسع.
هذا التحول لا يُقدَّم كقرار معلن بقدر ما يُقرأ من خلال الوقائع. فالدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها، تتعامل مع التفاوض كملف سيادي مستقل، لا كورقة ضمن سلة تفاوض إقليمي. وهنا يكمن الفارق الجوهري فلم يعد لبنان ينتظر نتائج الحوار الأميركي–الإيراني ليحدد موقعه، بل يتحرك وفق مصلحة مباشرة تتعلق بتثبيت الاستقرار وحماية حدوده.
ويكتسب هذا المسار بعداً أوضح مع الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون، حين أكد أن لبنان “يرفض أن يكون ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية، بل يفاوض باسمه دفاعاً عن مصالحه الوطنية وسيادته”. هذا الموقف لا يُقرأ كتصريح عابر، بل كإعلان توجّه واضح "نقل لبنان من موقع “الورقة” إلى موقع “الطرف”، أي من ساحة تُستخدم في التفاوض إلى دولة تفاوض باسمها.
في هذا السياق، يصبح التفاوض مع إسرائيل خطوة تتجاوز البعد الأمني إلى بعد سياسي أعمق، عنوانه استعادة القرار الوطني من منطق الربط الإقليمي. فطوال سنوات، كان لبنان جزءاً من توازنات أوسع، يتأثر بها أكثر مما يؤثر فيها. أما اليوم، فالمسار يوحي بمحاولة الخروج من هذا القيد، ولو تدريجياً.
غير أن هذا الفصل لا يعني الانفصال الكامل عن تأثيرات الخارج. فلبنان لا يزال ساحة تتقاطع فيها المصالح، وأي تصعيد بين واشنطن وطهران سيترك انعكاساته حتماً. لكن الفرق يكمن في أن القرار التفاوضي لم يعد مؤجلاً بانتظار تسويات كبرى، بل بات يتحرك ضمن هامش لبناني أوسع.
داخلياً، يفرض هذا التحول تحديات موازية. ففصل المسار اللبناني عن الملف الإيراني يعني عملياً إعادة ترتيب الأولويات داخل النظام السياسي، وتعزيز دور الدولة كمركز قرار. وهذا بدوره يعيد طرح مسألة حصرية القرار السيادي، وخصوصاً في ملفات الحرب والسلم.
كما أن هذا المسار يضع القوى السياسية أمام اختبار جديد: إما التكيّف مع منطق الدولة التي تفاوض باسم الجميع، أو الاستمرار في قراءة الملفات الكبرى من زاوية الارتباطات الإقليمية. وبين هذين الخيارين، تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
فلا يبدو أن لبنان خرج بالكامل من دائرة التأثير الإقليمي، لكنه بالتأكيد بدأ يرسم لنفسه هامشاً مختلفاً داخلها. فالتفاوض الجاري، بمعزل عن تعثر المسار الأميركي–الإيراني، يشير إلى محاولة جدية لفصل المسارات،
وهذا بحد ذاته تطور مفصلي: من بلد ينتظر التسويات إلى بلد يحاول أن يكون جزءاً من صناعتها. وبين المسارين، يتحدد ما إذا كان هذا التحول سيتكرّس كنهج دائم، أم يبقى خطوة ظرفية في مسار معقّد لم تُحسم فصوله بعد.


