حين يسقط الحلف: من وهم الحماية إلى اختبار البقاء في الخليج والمشرق

مايو 1, 2026 - 17:48
 0
حين يسقط الحلف: من وهم الحماية إلى اختبار البقاء في الخليج والمشرق

 كتب باسم الموسوي :

ليست التحولات التي يشهدها المشرق والخليج اليوم مجرد ارتدادات لحرب عابرة، بل مؤشرات على تصدّع بنيوي في منظومة كاملة قامت لعقود على فكرة واحدة: أن التحالف مع الولايات المتحدة هو الضامن النهائي للاستقرار والبقاء. ما يتكشف الآن هو العكس تماماً؛ إذ يتحول هذا التحالف، في لحظة انكشاف القوة وتراجعها، من مظلة حماية إلى مصدر خطر وجودي.
الفكرة المركزية التي يطرحها هذا التحليل بسيطة في ظاهرها وقاسية في نتائجها: الأنظمة التي ربطت أمنها وشرعيتها بالخارج، تجد نفسها اليوم مكشوفة حين يتراجع هذا الخارج أو يعجز عن فرض تفوقه. في هذا السياق، لا يُفهم ما يجري في الأردن والسعودية كأزمات منفصلة، بل كأعراض لمسار أعمق يطال “النظام الإقليمي” الذي تشكّل حول الحضور الأمريكي.
في الحالة الأردنية، يقوم النظام السياسي تقليدياً على معادلة دقيقة: ولاء القبائل مقابل توفير الأمن واحترام توازنات الأرض والمجتمع. هذا “العقد غير المكتوب” لم يكن مجرد تفاهم اجتماعي، بل كان أساس الاستقرار. غير أن إدخال عنصر جديد—القواعد العسكرية الأجنبية—أخلّ بهذه المعادلة. حين تُقدَّم أولويات الأمن الخارجي على حساب الأمن الداخلي، يتصدع الرابط الذي يمنح السلطة شرعيتها.
في هذه اللحظة، لا يعود الاعتراض مجرد موقف سياسي، بل يتحول إلى موقف بنيوي تمثّله القبائل نفسها، وهي العمود الفقري للدولة والجيش. فإذا اهتزّ هذا العمود، يصبح النظام معزولاً، حتى لو احتفظ بأدواته الشكلية. هنا تكمن خطورة ما يحدث: ليس تمرّداً تقليدياً، بل إعادة تعريف لمن يملك حق منح الشرعية.
أما في السعودية، فالمشهد يتخذ شكلاً أكثر تعقيداً لكنه يقوم على المنطق نفسه. الدولة هناك تأسست على توازن ثلاثي: العائلة الحاكمة، والقبائل، والمؤسسة الدينية. هذا التوازن لم يكن ثابتاً، لكنه كان كافياً لضمان الاستمرارية. غير أن الرهان على الحماية الأمريكية كبديل عن هذا التوازن التقليدي أدخل خللاً عميقاً. حين تتعرض هذه الحماية للاختبار—خصوصاً في مواجهة قوة إقليمية مثل إيران—يتبيّن أن ما كان يُقدَّم كضمان هو في الواقع قابل للانكشاف.
الضربات التي طالت البنية العسكرية والنفطية، وما رافقها من عجز في الردع، لم تكن مجرد خسائر مادية، بل لحظة كشف. فالدولة التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على قدرتها على الحماية، تجد نفسها أمام سؤال مباشر: ماذا يبقى من هذا الوعد إذا لم يتحقق؟ في هذه النقطة، تبدأ عناصر التوازن الداخلي—القبائل، الجيش، والمؤسسة الدينية—بإعادة حساباتها، لا انطلاقاً من معارضة أيديولوجية، بل من منطق البقاء.
ما يربط بين الحالتين الأردنية والسعودية هو أن كليهما لم يسقط بعد، لكنه يواجه لحظة اختبار مصيري. هذه اللحظة لا تُحسم بالقرارات الفوقية، بل بتفاعل القوى العميقة داخل المجتمع والدولة. حين تتردد المؤسسة العسكرية، أو تعيد القبائل تموضعها، أو يختفي الدعم الرمزي من المنابر، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهياراً فورياً، لكنه يشير إلى تفكك تدريجي في الأسس التي يقوم عليها الحكم.
في الخلفية، يظهر عامل حاسم: تراجع القدرة الأمريكية على فرض معادلاتها الإقليمية. لم يعد التفوق العسكري كافياً لضمان السيطرة، ولم تعد القواعد المنتشرة في المنطقة تشكّل شبكة حماية متماسكة كما في السابق. على العكس، قد تتحول هذه القواعد نفسها إلى نقاط ضعف، عرضة للاستهداف، ومصدر توتر داخلي للدول المضيفة. هنا تنقلب المعادلة: ما كان يُفترض أنه ضمان يصبح عبئاً.
في هذا السياق، تلعب إيران دوراً محورياً عبر استراتيجية مختلفة عن منطق الحسم التقليدي. فهي لا تسعى بالضرورة إلى تدمير خصومها مباشرة، بل إلى تفكيك البيئة التي تمنحهم التفوق. عبر ضرب شبكات الربط، واستهداف نقاط الضعف، وفرض كلفة مستمرة، يتحول التفوق النظري إلى عبء عملي. النتيجة ليست انتصاراً سريعاً، بل إضعاف تدريجي لقدرة الخصم على الحفاظ على تماسكه.
غير أن الأثر الأعمق لهذه الدينامية لا يكمن فقط في توازن القوى الخارجي، بل في انعكاسه على الداخل. حين تفقد الدولة قدرتها على ضمان الأمن، أو حين يُنظر إلى تحالفاتها على أنها سبب للخطر لا وسيلة للحماية، يبدأ العقد الاجتماعي بالتآكل. وفي أنظمة تقوم شرعيتها على هذا العقد، يصبح التآكل تهديداً وجودياً.
في النهاية، ما يتشكل أمامنا ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحوّل في طبيعة السلطة نفسها في المنطقة. لم يعد السؤال: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: من يستطيع أن يحافظ على تماسكه الداخلي في ظل بيئة إقليمية متغيرة. وبينما تتراجع مسلّمات قديمة، تتكشف حقيقة قاسية: الارتهان الكامل للخارج، مهما بدا مغرياً، يحمل في داخله بذور الانكشاف حين تتغير موازين القوة.
بهذا المعنى، لا تكون اللحظة الراهنة مجرد اختبار لأنظمة بعينها، بل اختبار لفكرة بكاملها: فكرة أن الحماية يمكن استيرادها، وأن الاستقرار يمكن ضمانه من خارج الحدود. ما يجري اليوم يقدّم جواباً مختلفاً—جواباً لا يُكتب بالتصريحات، بل بوقائع تتشكل على الأرض، حيث لا يكفي الحلف إذا تآكل الأساس.