لا عودة قريبة إلى القتال: ترامب يتمسّك بـ«قشة» الحصار

أبريل 30, 2026 - 07:21
 0
لا عودة قريبة إلى القتال: ترامب يتمسّك بـ«قشة» الحصار

 كتبت "الأخبار":

 لا توحي المؤشرات بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يميل إلى استئناف الضربات العسكرية ضدّ إيران سريعاً، بل هو يبدو أكثر ميلاً إلى استخدام الوقت كأداة ضغط، بالتوازي مع تشديد الخناق الاقتصادي على طهران لدفعها إلى تقديم تنازلات. وينسجم هذا الخيار مع استمرار الحصار البحري الأميركي، وتولّد قناعة داخل دوائر الإدارة في واشنطن بأن تراكم الضغوط قد يفتح الباب أمام تسويات، وأن إنهاء الحرب أو استئنافها خياران أكثر كلفة من الحصار، فضلاً عن أن نتائجهما غير محسومة. ورغم أن تمديد الهدنة يتيح، بحسب بعض التقديرات، تخفيف الأعباء السياسية الواقعة على ترامب، غير أنه يحمل، في الوقت نفسه، مخاطرة إتاحة هامش لإيران كي تعيد ترميم قدراتها النووية والصاروخية؛ علماً أن الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية لا تفتأ تتزايد، مع تعالي الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب.
واجترّ ترامب، أمس، تصريحاته المكرَّرة حول إيران، قائلاً إن «حصار إيران عمل عبقري، وهو صامد وقوي، ولا جيش في العالم يضاهي جيشنا». وأضاف: «من الناحية العسكرية، قضينا على إيران، ولم يعُد أمامها سوى أن ترفع الراية البيضاء وأن تقول ببساطة: نحن نستسلم». وتابع أن «الإيرانيين قطعوا شوطاً طويلاً، والسؤال الآن هو ما إذا كانوا سيقطعون شوطاً كافياً أم لا»، مؤكداً أنه «لن يكون هناك أي اتفاق أبداً مع إيران ما لم توافق على عدم امتلاك أسلحة نووية». ولفت، في الوقت نفسه، إلى أن واشنطن تجري محادثات مع طهران عبر الهاتف، مضيفاً: «أفضّل دائماً المفاوضات المباشرة».

وأتت مواقف ترامب بعد رفضه الصيغة الإيرانية الأحدث لإنهاء الحرب المستمرّة منذ شهرين، والتي تقوم على ترحيل البحث في الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، والاكتفاء حالياً بوقف الحرب ومعالجة القضايا المرتبطة بحركة الملاحة والشحن في الخليج. في المقابل، يفضّل ترامب وضع الملف النووي في مقدّمة أيّ بحث تفاوضي، لا تأجيله إلى ما بعد تسوية الملفات الأخرى.
وفي هذا الإطار، قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إنه «يجب ألّا تستهين إيران بإرادة الرئيس ترمب والجيش الأميركي لتحقيق مهمتنا»، واصفاً الاتفاق النووي لعام 2015 بأنه «صفقة كارثية كانت ستمهّد الطريق أمام حصول إيران على قنبلة نووية». وزعم أن بلاده تعرف ما تحوزه طهران من اليورانيوم المخصّب، غير أن تلك المعلومات سرية. واعتبر أن ما تقوم به إيران في مضيق هرمز «قرصنة وإرهاب وتهديد لحركة الملاحة الدولية»، مستدركاً - في ما يمثّل تناقضاً واضحاً - بأن الحصار البحري الأميركي لإيران «يبعث برسالة إلى العالم مفادها أننا نسيطر فعلياً على مضيق هرمز». وخلال جلسة استماع في «الكونغرس»، لفت هيغسيث إلى أن «إيران لم تتخلَّ بعد عن تطوير أسلحة نووية»، مهاجماً المشرّعين الديموقراطيين لمعارضتهم الحرب، قائلاً إنهم «يمنحون إيران نصراً دعائياً». كما كرّر ادعاءه أن «نظام القيادة والسيطرة في إيران معطَّل تماماً ولا نعرف من يسيطر وكيف يتواصلون».
ومع استمرار المزاعم والتسريبات الأميركية والإسرائيلية حول وجود انقسامات في القيادة في طهران بشأن المفاوضات، وصعوبات في التواصل مع المرشد الأعلى، السيد مجتبى خامنئي، بما يؤخّر التوصّل إلى اتفاق مع واشنطن، أكد «مجلس خبراء القيادة» الإيراني أن «فريق التفاوض يمتثل لأوامر قائد الثورة السيد مجتبى خامنئي وتوجيهاته»، وأنه «يسير وفق الخطوط العامة المرسومة من المؤسسات العليا للنظام وبإشرافها». كما أكد أن «الشعب يقف إلى جانب رؤساء السلطات والقوات المسلحة والفريق المفاوض المؤتمر بأمر قائد الثورة»، مشدداً على أن «حفظ الانسجام والاتحاد ضرورة دينية ووطنية». وشكر المجلس «جهود الوفد المفاوض الذي يمضي بالاستناد إلى الخطوط العريضة المرسومة من قبل المؤسسات العليا»، مشيراً إلى أنه «لا يتوقع من العدو الأميركي والصهيوني سوى الخداع والمكر، وهذه شيمهم المتأصلة».

وفي تل أبيب، نقلت «هيئة البث الإسرائيلية» عن مسؤول أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أجرى، أمس، مكالمة هاتفية مع ترامب بشأن إيران، وذلك خلال جلسة الحكومة التي كانت تناقش ملفَّي لبنان وإيران. وبحسب المسؤول، أظهر ترامب خلال المحادثة أنه «معنيّ بمواصلة الحصار البحري على إيران، وأنه يعتقد أن هذا الحصار سيؤدي إلى استسلام طهران وقبول شروطه». وأضاف المصدر أنه «إذا لم تقبل إيران شروط ترامب، فسيستعدّ الجيشان الإسرائيلي والأميركي لاستئناف الحرب».
وبدورها، أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأنّ التقدير السائد في إسرائيل هو أنه في ظل الأزمة الحادة التي تواجهها هي والولايات المتحدة في مخزون المنظومات الاعتراضية، فإنه حتى لو أصدر الرئيس الأميركي أمراً بالهجوم، فلن تُنفّذ الضربة الضخمة التي قال إنها «ستدمّر الحضارة الإيرانية». وتشير التقديرات، بدلاً من ذلك، إلى «احتمال تنفيذ عملية عسكرية واحدة، تتّسم بالقوة والمحدودية، وتهدف إلى تشديد الضغط للتوصّل إلى اتفاق أكثر فاعلية». غير أن مسؤولين إسرائيليين يرون، في المقابل، أنه في غياب التوجه إلى عملية شاملة بكلّ قوة، فإن «الامتناع عن أيّ هجوم هو الخيار الأفضل»، وهو موقف نُقل صراحة إلى نظرائهم في «القيادة المركزية الأميركية».
كذلك، ذكرت «يديعوت أحرونوت» أن الغموض المحيط بالاتصالات السياسية يدفع مسؤولين كباراً في إسرائيل إلى بحث خيار ثالث للمواجهة مع إيران، لا يقوم على استئناف الحرب ولا على اتفاق أميركي ـ إيراني واضح، بل على تثبيت وضع رمادي: هدوء مقابل هدوء، من دون تسوية رسمية، مع إعلان كلّ طرف أنه حقّق ما أراده. وبموجب هذا السيناريو، تواصل واشنطن الضغط على طهران، فيما تحتفظ إيران بمواقفها في ملفات اليورانيوم والصواريخ الباليستية ودعم حلفائها، لتعود المعادلة عملياً إلى ما قبل التصعيد، في انتظار جولة لاحقة. ويرى مؤيدو ذلك الخيار في إسرائيل أنه «الشرّ الأقلّ ضرراً»، لأنه يبقي باب العمل العسكري مفتوحاً مستقبلاً، سواء مع الولايات المتحدة أو من دونها. لكن جهات إسرائيلية أخرى تعارضه، لأنه يعيد إنتاج نموذج الجولات المتكرّرة من دون حسم، وهو ما تعهّدت إسرائيل، بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعدم العودة إليه. ويزيد القلقَ الإسرائيلي شعورُ تل أبيب بتراجع موقعها في المفاوضات، بعدما بات القرار الفعلي في يد واشنطن، التي لم تُشركها بجدية في بحث شروط إنهاء الحرب، ولم تجعل ملف الصواريخ الإيرانية بنداً مركزياً كما أراد نتنياهو.

وتخشى إسرائيل أن يكتسب مقترح إيراني محدود يقوم على إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز، في مقابل إعلان طهران عدم السعي إلى سلاح نووي ورفع العقوبات عنها، مع تأجيل بحث بقية الملفات النووية، زخماً. وترى تل أبيب أن أيّ اتفاق لا يعالج جذرياً ملفات التخصيب والبنية النووية والصواريخ، سيمنح إيران وقتاً ومالاً وحصانة سياسية، ويتيح لها ترميم اقتصادها واستعادة نفوذها وتنشيط حلفائها، وفي مقدمهم «حزب الله». ولذلك، تجد إسرائيل نفسها أمام بدائل كلّها صعبة: ضربة رمزية لا تغيّر شيئاً، أو اتفاق تعدّه سيئاً ومهيناً، أو تجميد الوضع القائم إلى حين جولة مقبلة. وبالنسبة إلى بعض المسؤولين، يبدو الخيار الأخير هو الأقلّ كلفة في هذه المرحلة.
إلى ذلك، وبعد 10 أشهر من الانتشار العملياتي في المنطقة لدعم إسرائيل وردع أطراف الصراع، تقرّرت إعادة حاملة الطائرات الأحدث في العالم «جيرالد فورد» إلى قاعدتها الأم. ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي أن الحاملة يتوقع أن تعود إلى ولاية فرجينيا منتصف الشهر المقبل، فيما تتجه سفينة الإبرار البحري «بوكسر» نحو قاعدة عسكرية أميركية في شرق آسيا، بعدما كانت تبحر نحو الشرق الأوسط.