72 ساعة على حافة القرار.. من يضغط زر التفجير أولاً؟
تحليل سياسي معمّق يرصد كيف غيّرت المناورات البحرية المشتركة بين إيران وروسيا والصين معادلات التصعيد الأميركي، ولماذا يشكّل مفاعل بوشهر النووي فخًا استراتيجيًا قد يحوّل أي ضربة عسكرية إلى كارثة دولية، في ظل تحركات دبلوماسية إيرانية نحو موسكو وأنقرة، وعدم قابلية سياسات دونالد ترامب للتوقّع.
كتبت زينة أرزوني في "اللواء":
وسط التهويل اليومي بالضربة العسكرية الحتمية لإيران، برزت ثلاثة معطيات قلبت قواعد اللعبة ووضعت اميركا أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة.
ففي لحظة فاقت ساعة الصفر، كشفت طهران عن دخول روسيا والصين إلى مسرح العمليات البحرية، تحت عنوان "مناورات مشتركة” في بحر عُمان والمحيط الهندي.
بهذا المعنى، تحولت السفن القادمة إلى ما يشبه "درعاً دولياً عائماً”، لا لأنها ستقاتل بالضرورة، بل لأن وجودها بحد ذاته يرفع كلفة أي ضربة ويحولها من قرار إقليمي إلى خطوة ذات تبعات عالمية، وهو سيناريو لا ترغب واشنطن في فتح بابه أقله حالياً.
الامر الثاني هو التحذير الروسي من "تشيرنوبيل" ايرانية، من هذا المنطلق يبرز مفاعل بوشهر النووي كأحد أكثر الأهداف حساسية وإشكالية في أي سيناريو مواجهة محتملة مع إيران، بل كخيار يكاد يرقى إلى مستوى الانتحار الاستراتيجي.
بوشهر تقع على ضفاف الخليج، حيث تشكل الرياح البحرية والتيارات المائية جسراً مثالياً لانتقال التلوث الإشعاعي نحو دول الجوار.
في هذا السيناريو لا يعود الخليج ساحة صراع سياسي، بل مسرح كارثة بيئية تضرب الأمن المائي والطاقة والملاحة الدولية في آن واحد.
الأخطر من ذلك أن بوشهر ليست منشأة إيرانية خالصة، فالوجود الروسي التقني والإشرافي يضع أي ضربة محتملة في خانة كسر التوازنات الكبرى. فاستهداف منشأة تديرها "روساتوم” لا يمكن فصله عن الحسابات الروسية، حتى وإن لم يؤدِ إلى مواجهة مباشرة، فإنه ينقل الصراع من مستوى إقليمي إلى تماس خطير بين القوى الكبرى.
من منظور إيراني، يُدرك صانع القرار أن ضرب بوشهر لن يكون مجرد عمل عسكري، بل تحول نوعي في طبيعة الحرب، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة تجاه هذا الموقع، والربط الدائم بينه وبين مفهوم "الرد الوجودي”. فحين تُهدَّد السلامة النووية للدولة، تسقط الكثير من القيود السياسية والعسكرية، ويصبح الرد مفتوح السقف والاتجاهات.
لهذا يمكن القول إن بوشهر ليست هدفاً عسكرياً تقليدياً، بل فخاً استراتيجياً من يدخله يخرج خاسراً، مهما بلغت قوته العسكرية.
التحذير الروسي
في هذا السياق، جاء التحذير الروسي من سيناريو كارثي بحجم "تشرنوبيل” ليفتح باباً جديداً في المشهد، فالكلام الصادر عن أعلى مسؤول في القطاع النووي الروسي لا يمكن اعتباره مجرد قلق إنساني، بل يعكس إدراك موسكو لخطورة أي مغامرة عسكرية تمس منشأة تشارك في إدارتها.
الحديث عن استعدادات روسية لحماية الخبراء أو حتى إجلائهم لا يعني أن الضربة حتمية، لكنه يؤكد أن بوشهر باتت ضمن دائرة القلق الدولي، وانها تلقت معلومات استخباراتية بشأن الضربة.
تنسيق لا استغاثة
ضمن هذا المشهد، تكتسب الرحلة الإيرانية للطائرة الرئاسية إلى موسكو دلالة خاصة، التوقيت وحده يكشف أنها ليست زيارة بروتوكولية، بل محطة تنسيق في لحظة حساسة.
الدبلوماسية كأداة توازن
المعطى الثالث هو تحرك وزير الخارجية الإيراني نحو تركيا اليوم في توقيت دقيق بين تصعيد ميداني وضغوط سياسية.
هذه الزيارة لا تعكس ارتباكاً، بل محاولة لإدارة البيئة الإقليمية المحيطة بالأزمة.
تركيا القلقة من تداعيات أي انفجار إقليمي، تشكّل قناة مناسبة لنقل الرسائل واحتواء التصعيد، أو على الأقل منع انزلاقه إلى مسارات غير محسوبة، خصوصا انها تتحسس أنقرة رأسها في هذه المرحلة وتدرك جيداً انه بعد ايران الدور سيكون عليها.
ما الذي قد تحمله الساعات المقبلة؟
في ضوء هذا المشهد، يمكن القول إن المنطقة تقف أمام عدة مسارات محتملة خلال الأيام القليلة المقبلة اولها التهدئة الحذرة، حيث يستمر شدّ الحبال من دون انفجار، مع بقاء التحركات العسكرية والدبلوماسية في إطار الضغط المتبادل، بانتظار تسوية مؤقتة أو تفاهم غير معلن، لأن بدء المناورات فعلياً سيجعل المنطقة بحكم "المحرّمة سياسياً"، حيث يصبح من شبه المستحيل شن هجوم واسع من دون تعريض العلاقات مع موسكو وبكين لهزة خطيرة.
او تصعيد محدود ومدروس، قد تلجأ فيه إحدى الجهات إلى خطوة عسكرية رمزية، بعيدة عن المنشآت الحساسة، بهدف تسجيل موقف من دون فتح مواجهة شاملة مع ردود محسوبة من الطرف الآخر.
اما السيناريو الأخطر، فهو استهداف منشأة نووية عاملة أو وقوع حادث كبير، ما سيحوّل الأزمة فوراً إلى قضية دولية ويفتح الباب أمام تدخلات أوسع يصعب ضبطها، في حال قرر ترامب امام هذا التطور المستجد توجيه ضربة فورية لايران قبل أن يكتمل المشهد البحري الجديد وتتشابك القطع الروسية والصينية مع الوحدات الإيرانية.
ولكن مع وجود دونالد ترامب لا يمكن الركون إلى منطق التوقع، خصوصاً في ظل عقلية سياسية اعتادت كسر القواعد.
التجربة الفنزويلية تُظهر أن الولايات المتحدة، ومعها ترامب تحديداً، لا تعمل دائماً وفق مسارات تصعيد تدريجية يمكن استشرافها، بل تعتمد في كثير من الأحيان على عنصر الصدمة في الضربة الأولى، سواء كانت عسكرية او سياسية.
ترامب بنى جزءاً كبيراً من سياسته الخارجية على إرباك الخصم قبل منحه فرصة الرد، كما ظهر في حالات سابقة اعتمد فيها قرارات مفاجئة وغير تقليدية لإرباك أنظمة خصمه.
من هنا، فإن إدارة إيران للأزمة لا تقوم على افتراض عقلانية الخصم بقدر ما تقوم على تحصين الذات أمام الأسوأ، وهنا تمكن اهمية التنسيق مع موسكو والصين، والحراك في أنقرة، والانضباط الميداني، كلها عناصر تهدف إلى رفع كلفة أي خطوة مفاجئة، وجعل "الضربة الأولى” إن حصلت مكلفة سياسياً واستراتيجياً إلى حد الردع.
وبين عنصر الصدمة الأميركية وضبط النفس الإيراني، تبقى المنطقة معلّقة على ميزان دقيق، تتأرجح كفتيه بين خطأ واحد قد يشعل مواجهة دولية، وحساب دقيق قد يؤجلها.


