الموسيقى في زمن الحرب: كيف أعاد اللبنانيون اكتشاف صوتهم بين الألم والصمود
كيف غيّرت الحرب في لبنان عادات الاستماع إلى الموسيقى؟ قراءة في بيانات أنغامي تكشف تحوّلها من ترفيه إلى ملاذ نفسي يعكس الهوية والصمود.
في قراءة أقرب إلى دراسة سلوكية رقمية، تكشف معطيات أنغامي، بوصفها المنصة الأوسع انتشارًا في العالم العربي، عن تحوّل نوعي في عادات الاستماع إلى الموسيقى في لبنان خلال فترات الحرب. لم يعد الاستخدام محصورًا بوظيفته الترفيهية التقليدية، بل تجاوز ذلك ليؤدي أدوارًا نفسية ووظيفية أكثر عمقًا، تعكس حاجة الأفراد إلى التكيّف مع واقع غير مستقر، وإعادة ترتيب أولوياتهم اليومية ضمن ظروف ضاغطة.
في هذا السياق، لا تبدو الأرقام مجرّد مؤشرات تقنية، بل تتحوّل إلى مدخل لفهم سلوك جماعي يعيد تعريف علاقته بالصوت والموسيقى. فبحسب بيانات المنصة، شهد الاستخدام تقلبًا موقتًا، تمثّل بانخفاض وصل إلى نحو 20% في بعض المناطق، لا سيما في الجنوب، نتيجة النزوح والتحديات المرتبطة بالبنية التحتية. إلا أن الصورة العامة على مستوى لبنان بدت أكثر صمودًا، حيث حافظت المنصة على نسبة عالية من المستخدمين، ما يعكس مدى تجذّر الموسيقى في الحياة اليومية، وقدرتها على توفير شعور بالاستمرارية والألفة حتى في أصعب اللحظات.
ورغم هذا التراجع الموضعي، بقيت أنماط التفاعل الأساسية مستقرة بشكل لافت. فقد أظهرت البيانات أن مدد الاستماع ومعدلات التفاعل لم تتأثر بشكل كبير، ما يشير إلى أن المستخدمين، حتى في ظل الفوضى، يحرصون على تخصيص أوقات ثابتة للموسيقى. هذا الثبات يعكس تحول الموسيقى إلى عنصر شبه ثابت في بيئة متقلبة، تُستخدم كوسيلة لإعادة التوازن النفسي والحد من التوتر.
لكن الاستقرار في حجم الاستماع لم يُخفِ تحولات دقيقة في توقيته. إذ تغيّر نمط الذروة اليومية بشكل واضح؛ فبعد أن كانت ساعات المساء المبكرة، وتحديدًا نحو السابعة، تمثل ذروة الاستخدام، انتقلت هذه الذروة إلى حوالي العاشرة ليلًا. هذا التحوّل يعكس انتقالًا من “الاستماع العام” المرتبط بالروتين اليومي والتنقل، إلى “الاستماع الخاص” الذي يرتبط بلحظات الانعزال، حيث تُستخدم الموسيقى كوسيلة للاسترخاء أو التأمل أو التفريغ العاطفي في نهاية يوم مثقل بالضغوط.
وعلى خلاف التوقعات، لم يتجه المستخدمون بشكل ملحوظ نحو خيار التنزيل للاستماع من دون اتصال، رغم حالة عدم اليقين. فقد بقيت معدلات التنزيل مستقرة إلى حد كبير، ما يشير إلى استمرار الاعتماد على البث المباشر كوسيلة أساسية لاستهلاك الموسيقى، حتى في ظروف غير مستقرة، وهو ما يعكس ثقة ضمنية باستمرارية الوصول إلى الخدمة الرقمية.
أما على مستوى الذائقة الموسيقية، فتبرز مفارقة لافتة بين البعد الجماعي والبعد الفردي. فقد رُصد اتجاهان عاطفيان متوازيان: الأول يتمثل بارتفاع ملحوظ في الاستماع إلى الأغاني الوطنية، التي تعزز الإحساس بالهوية والانتماء، والثاني يتمثل في زيادة الإقبال على الضوضاء البيضاء والأصوات الهادئة، التي تُستخدم كوسيلة للتركيز أو الهروب من التوتر. هذا التوازن يعكس محاولة مزدوجة: البحث عن شعور جماعي بالصمود من جهة، وعن ملاذ فردي آمن من جهة أخرى.
وفي موازاة ذلك، عاد المستمعون بقوة إلى أرشيفهم الموسيقي، مفضلين الأصوات المألوفة على الإصدارات الجديدة. فقد شهدت أعمال فيروز وجوليا بطرس حضورًا متجددًا، ليس فقط باعتبارهما فنانتين، بل كرمزين ثقافيين يحملان ذاكرة جماعية. في أوقات الأزمات، يميل الأفراد إلى هذا النوع من الموسيقى لما يوفره من إحساس بالحنين والاستقرار، وكأنه مساحة صوتية آمنة في مواجهة عالم مضطرب.
هذا التحوّل في الذائقة انعكس بدوره على قوائم الاستماع، حيث برزت الأغاني الوطنية والمشحونة عاطفيًا بوتيرة أعلى مقارنة بالفترات السابقة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في تصدّر أغنية لبيروت قوائم الأكثر تداولًا في لبنان، في مؤشر واضح على بحث الجمهور عن محتوى موسيقي يعكس حالته النفسية ويمنحه بعدًا ثقافيًا يتجاوز مجرد الترفيه.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الموسيقى في زمن الحرب لم تعد مجرد خلفية صوتية للحياة اليومية، بل تحوّلت إلى أداة للتكيّف النفسي، ووسيلة لإعادة تشكيل الهوية الفردية والجماعية، في لحظة يختلط فيها القلق بالأمل، ويصبح الصوت ملاذًا حين تضيق المساحات الأخرى.


