المستنقع الإيراني: كيف تتحول الحرب إلى هدية استراتيجية لروسيا والصين
كتب باسم الموسوي:
ليس أخطر ما في الحرب الدائرة مع إيران هو ما تدمّره من قواعد أو ما تخلّفه من خسائر مباشرة، بل ما تفتحه من أفق استراتيجي لخصوم الولايات المتحدة كي يعيدوا ترتيب ميزان القوة العالمي على حسابها. هنا تكمن المفارقة: الحرب التي يُفترض أن تعزّز الردع الأمريكي قد تتحول، إذا أسيء إدارتها، إلى أداة لاستنزافه وإضعاف موقعه الدولي، تماماً كما حصل مع قوى كبرى في لحظات تاريخية مشابهة.
من هذا المنظور، لا تبدو Russia وChina طرفين بعيدين عن المشهد، بل فاعلين صامتين يستثمران في إطالة أمد الصراع. كلاهما لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، بل يكفيه أن تنخرط هذه الأخيرة في حرب مفتوحة، منخفضة الحدة، طويلة النفس، تستهلك مواردها وتُربك تحالفاتها وتُضعف قدرتها على المبادرة في ساحات أخرى. إنها الاستراتيجية ذاتها التي طبّقتها الولايات المتحدة ضد موسكو في أوكرانيا: ربط الخصم في نزاع مكلف، واستنزافه تدريجياً، وتقويض صورته كقوة لا تُقهر.
اللافت أن هذه المعادلة تنقلب اليوم. فبدلاً من أن تكون واشنطن الطرف الذي يراقب خصومه وهم يغرقون في المستنقعات، تجد نفسها مهددة بالانزلاق إلى مستنقع مشابه. لا لأن قدراتها العسكرية محدودة، بل لأن طبيعة الصراع مع إيران تجعل من “النصر الحاسم” هدفاً بعيد المنال. فإيران، رغم الضربات القاسية، أثبتت قدرتها على الصمود، وعلى امتصاص الصدمات، وعلى مواصلة العمل ضمن شبكة إقليمية معقدة تمنحها هامش مناورة واسعاً. وهنا تحديداً يكمن الرهان الروسي–الصيني: ليس الانتصار الإيراني، بل استمرار الحرب بلا حسم.
بالنسبة إلى موسكو، الحرب الحالية هدية استراتيجية. فهي لا تشتت انتباه الولايات المتحدة عن أوكرانيا فحسب، بل تفتح لها أيضاً فرصاً اقتصادية، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتخفيف الضغوط على صادراتها النفطية. والأهم أنها تعمّق الشقاق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، الذين بدأوا ينظرون بقلق إلى مغامرات عسكرية لا تحظى بإجماع قانوني أو أخلاقي واضح. كل شرخ في العلاقة عبر الأطلسي هو مكسب صافٍ لروسيا، التي لطالما سعت إلى تفكيك هذا التحالف أو على الأقل إضعاف تماسكه.
أما الصين، فتتحرك بأسلوب مختلف وأكثر هدوءاً. فهي لا تبحث عن مكاسب عسكرية مباشرة، بل عن إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي. في لحظة تبدو فيها الولايات المتحدة متقلبة ومندفعة، تقدّم بكين نفسها كقوة عقلانية، تدعو إلى التهدئة والحوار. هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى كسب تعاطف دول المنطقة، بل إلى استقطاب حلفاء واشنطن أنفسهم، الذين باتوا يبحثون عن شريك أكثر استقراراً وأقل ميلاً إلى المغامرة. هكذا تتحول الحرب، paradoxically، إلى فرصة للصين لتعزيز صورتها كضامن للتوازن، لا كمصدر للاضطراب.
لكن الأثر الأعمق لهذه الحرب لا يقتصر على المكاسب التكتيكية لهذا الطرف أو ذاك، بل يطال جوهر النظام الدولي نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بنت الولايات المتحدة شرعيتها على فكرة “النظام القائم على القواعد”، حيث تُقدَّم القوة في إطار قانوني وأخلاقي يُفترض أنه يميّزها عن خصومها. غير أن الانخراط في حرب لا تستند إلى تهديد وشيك واضح، أو إلى توافق دولي واسع، يضعف هذا الادعاء من أساسه. كيف يمكن لواشنطن أن تدين سلوك موسكو في أوكرانيا، أو تطالب بكين بضبط تحركاتها في البحار الآسيوية، إذا كانت هي نفسها تتصرف خارج هذه القواعد؟
في هذا السياق، لا يعود الخطر الحقيقي عسكرياً بحتاً، بل يصبح سياسياً–رمزياً: تآكل صورة الولايات المتحدة كقائد للنظام الدولي. وهذا تحديداً ما يسعى إليه خصومها. فالعالم الذي لا يثق بقيادة واشنطن هو عالم أكثر قابلية للتشظي، وأكثر انفتاحاً على ترتيبات بديلة تتيح لروسيا والصين توسيع نفوذهما دون مقاومة تُذكر.
السيناريو الأمثل لهاتين القوتين ليس انتصار إيران الكاسح، ولا هزيمتها الساحقة، بل استمرار الصراع في حالة “لا حرب ولا سلم”. حرب تستنزف دون أن تحسم، وتُقلق دون أن تنفجر، وتُبقي الولايات المتحدة عالقة في إدارة أزمة دائمة. والمفارقة أن هذا السيناريو قد يكون مقبولاً، بل ومفيداً، لبعض دوائر القرار في طهران نفسها، التي تدرك أن البقاء والصمود قد يكونان بديلاً كافياً عن النصر التقليدي.
أمام هذا الواقع، تبدو الخيارات الأمريكية محدودة لكنها حاسمة. فالتصعيد نحو حرب شاملة قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يهدد بإغراق واشنطن في مستنقع طويل يخدم خصومها أكثر مما يخدمها. في المقابل، الانسحاب الكامل أو التراجع غير المدروس قد يفتح المجال أمام تمدد إيراني غير مضبوط، ويقوّض ثقة الحلفاء. بين هذين الحدّين، يبرز خيار ثالث: استراتيجية توازن صلبة، تجمع بين الردع والانخراط الدبلوماسي، وتبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.
هذا المسار لا يعني التنازل، بل إعادة تعريف الهدف. فبدلاً من السعي إلى إسقاط النظام الإيراني أو إذلاله، يمكن لواشنطن أن تركّز على احتواء سلوكه الأكثر خطورة، وفتح قنوات تفاوض تتيح خفض التصعيد تدريجياً. بالتوازي، ينبغي ترميم العلاقات مع الحلفاء، خصوصاً في أوروبا والخليج، لأن قوة الولايات المتحدة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضاً بشبكة تحالفاتها.
في النهاية، المسألة ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تدمير أهداف داخل إيران، بل ما إذا كانت قادرة على تجنب الوقوع في فخ حرب طويلة تُضعفها من الداخل وتمنح خصومها ما لم يتمكنوا من تحقيقه بالقوة. القوة الحقيقية، في هذا السياق، لا تكمن في الضرب، بل في معرفة متى يجب التوقف، وكيف يمكن تحويل الصراع من ساحة استنزاف إلى فرصة لإعادة ترتيب التوازنات.
هكذا فقط يمكن لواشنطن أن تحرم موسكو وبكين من “الانتصار المجاني” الذي تنتظرانه: انتصار لا يُبنى على هزيمتها عسكرياً، بل على تورطها في حرب لا تنتهي.


