أسئلة على هامش الأزمة وهواجس الاستقرار!
كتب نقيب المحررين جوزف القصيفي في "الجمهورية":
لا تنفع المكاسرة لدى التصدّي لموضوعات مصيرية على جانب كبير من الخطورة تتعلّق بمستقبل لبنان. وإنّ الاتهامات المتبادلة بين الأفرقاء، والتي لامست ذروتها الإستقرار العام في البلاد، لولا حرص الجيش وقيادته الصارمة في رفض أي تحرُّك ميداني يفضي إلى الإخلال بالسلم الأهلي، ليست هي السبيل لتجاوز المحنة، وحمل إسرائيل على وقف اعتداءاتها على لبنان، وإنهاء احتلالها لمناطق واسعة من جنوبه والقيام بعمليات النسف والجرف بغرض إقامة منطقة عازلة بذريعة حماية مستعمراتها الشمالية.
لا شك في أنّ اللبنانيِّين عموماً والشيعة خصوصاً يعانون كثيراً جرّاء ما خلّفته إسرائيل من مآسٍ وفواجع وأضرار، لا في جنوب لبنان فحسب، بل في أكثر من منطقة. ولا تزال المجزرة التي ارتكبتها في ما سُمِّي «الأربعاء الأسود» الثامن من هذا الشهر ندّية في ذاكرة الناس، وهي جريمة موصوفة لا تُبرِّر أياً تكن الذرائع والمسوِّغات. لكنّ السؤال المطروح: كيف يكون الخروج من هذا الواقع الذي يُرخي بثقله على لبنان؟ هل باستمرار «المقاومة»؟ هل بتوقيع اتفاق سلام تحت النار؟ هل بمفاوضات تؤدّي إلى السلام الذي يسعى إليه الأطراف كافة، كلٌ بما ينسجم مع رؤيته إلى الأمور؟
إنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون متمسّك بالمفاوضات، معتبراً أنّ لا بديل منها يضمن وقف الحرب والانسحاب من المناطق المحتلة، وعودة الأهالي إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم تمهيداً لبدء إعادة الإعمار. وهو لم يقل أنّه سيلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإنّ اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب رعاية لقاء بينهما في «البيت الأبيض» لا يعني أنّه سيحصل. خصوصاً أنّ تل أبيب توغل في الدم اللبناني، ولا تحترم وقف إطلاق النار وتُمعِن في خرقه من خلال مواصلة قتلها المواطنين واستهداف «مقاوميها» الذين التزموا بالاتفاق الذي أُعلن عنه بُعَيد اجتماع واشنطن في وزارة الخارجية الذي ضمّ الوزير مارك روبيو وكلاً من سفيرة لبنان، وسفير إسرائيل في واشنطن، والسفير الأميركي في بيروت.
لا شك في أنّ ردات الفعل التي صدرت عن «الثنائي الشيعي» ولا سيما «حزب الله» والحلفاء على كلمة الرئيس عون الأخيرة، كانت قاسية، وبعضها في غير محلّه لجهة النبرة المرتفعة والتهديدات المبطّنة، لكن ثمة أصواتاً حكيمة تحلّت بالصبر، وهي تنتظر أن تهدأ النفوس لتتمكّن من إهماد الحرائق المنبعثة هنا وهناك، وتبديد سحب الدخان التي تكاثفت في المشهدَين السياسي والإعلامي. ولعلّ أكثر الناشطين في هذا الاتجاه هما الرئيس نبيه بري والرئيس السابق للحزب «التقدّمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وكلاهما يتقاطعان عند عنوان واحد: الفتنة الداخلية ممنوعة، ويحظر إيقاظها، السعي إلى حل للمحنة التي حلّت بلبنان يكون محصناً بالحدّ الأقصى من التضامن الوطني، فلا تكون التسوية المنتظرة، في حال حصولها، عرضةً للطعن أو الإسقاط عندما تتبدّل الظروف.
الرئيس بري لا يخفي ما يكنّ للرئيس عون من مودة، ويعرف جيداً حجم التحدّيات التي يواجهها والضغوط التي يتعرّض لها، لكنّه من موقعه كقائد مسؤول سياسياً ومعنوياً عن طائفة رئيسة في البلاد، لا يمكن أن يسير بما يعاكس انتظاراتها، أو أن يتغاضى عن معاناتها، ويقبل بالتفريط ولو بحبة خردل من مصالحها، وهو الذي قضى هذا العمر المديد متقدِّماً الصفوف في الدفاع عن مصالحها منذ أن كان إلى جانب الأمام المغيَّب السيّد موسى الصدر. عدا كونه رئيساً للسلطة التشريعية وما تمثله وطنياً ودستورياً. لذلك فهو أوضح في حديثه الأخير الموجز والغني بالدلالات لصحيفة «الجمهورية» موقفه ممّا يحصل، فلم يرفض فيه خيار التفاوض، لكن ليس قبل وقف إطلاق النار، الإنسحاب، إطلاق الاسرى، عودة النازحين من أبناء الجنوب إلى مناطقهم.
ويتلاقى جنبلاط في طرحه إلى حدٍّ بعيد مع رؤية بري ومقاربته للوضع، وإنّ المقترح الذي سوّقه يتضمّن كثيراً من النقاط المشتركة مع طرح رئيس المجلس النيابي. ولم يبدر من رئيس الجمهورية ما يخالف هذا الطرح، سواء في تراتبية البنود أو المضمون.
لكنّ الأسئلة المثارة حول الموضوع كثيرة ومنها:
أ- هل يمكن للمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، أن يستمر وفق الآلية التي بدأت في واشنطن وعلى المستوى نفسه من التمثيل؟
ب- هل ثمة ضمانات أميركية ودولية بأنّ إسرائيل ستكتفي بما تعلنه لجهة ضمان أمن مستعمراتها الشمالية وفق معاهدة أمنية يتمّ التوافق عليها، أم أنّ هناك أوراقاً مستورة ستكشفها لاحقاً على الطاولة؟
ج- هل ستضطلع واشنطن التي ستحتكر رعاية المفاوضات بدور الحكم النزيه والعادل، أم أنّها، كما جاري عادتها، ستكون سنداً لإسرائيل ومنطقها؟ ويذكر المراقبون كيف أنّها فخّخت اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، بورقة جانبية تضمّنت النقاط الثماني التي أعطت لتل أبيب حرّية الحركة في جنوب لبنان، وسوَّغت لها خرق اتفاق وقف النار في أي زمان ومكان.
د- ما هو تأثير الحال القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، والمساعي الجارية لاستئناف المفاوضات بينهما في إسلام آباد، سواء جرت هذه المفاوضات أو تعذّرت. وبالتالي، هل يمكن للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن أن تخطو قدماً إذا عادت الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، وهي هذه المرّة ستكون أكثر عنفاً وتعقيداً من الحرب الأخيرة؟
إنّ لبنان يمرّ اليوم في امتحان قاسٍ، لا بل مصيري يتوقف عليه مستقبل وحدته، عيشه المشترك، استقراره، وتقدُّمه. ولذلك، فإنّ المطلوب أن لا ينقطع الحوار بين مكوّناته السياسية والطوائفية، وأن يسود الهدوء لغة التخاطب في ما بينها. وغالب الظن أنّ خطوط التواصل بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي لم تنقطع، وإنّ الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط يقوم بدور ما بعيداً من الأضواء، لإبقاء هذه الخطوط سالكة. على أنّ الجيش اللبناني وبتوجيه مباشر وسهر دائم من العماد رودولف هيكل، لا يقصّر في مواكبة الأحداث واستباق المخاوف المشروعة، بتدابير ميدانية لتوطيد الأمن والاستقرار.


