لماذا يرتكب المراهق جريمة ؟
ما الذي يدفع مراهقًا إلى ارتكاب العنف؟ اختصاصية سلوك تكشف العوامل النفسية والاجتماعية، العلامات المبكرة، ودور الأسرة في الوقاية قبل فوات الأوان.
لم تعد الحوادث العنيفة التي يرتكبها بعض المراهقين مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت مؤشراً يدفع إلى التعمق في فهم عالمهم النفسي والاجتماعي. فبين ضغوط الأسرة وتأثير المدرسة والانفتاح على الفضاء الرقمي، تتكوّن عوامل معقدة قد تمر من دون ملاحظة، قبل أن تتحول إلى سلوك صادم يصعب تفسيره.
توضح اختصاصية تحليل السلوك ليال أبو سعد أن المراهق لا يصل إلى العنف الشديد بشكل مفاجئ، بل يمر بمسار تدريجي. يبدأ الأمر بتراكم ضغوط نفسية مثل الإحباط أو الشعور بالرفض أو التعرض للتنمر، ومع غياب القدرة على التعبير عن المشاعر وتنظيمها، تظهر سلوكيات عدوانية بسيطة تتطور مع الوقت.
وعندما تحقق هذه السلوكيات نتائج معينة، كجذب الانتباه أو الهروب من موقف مزعج، فإنها تتكرر وتتصاعد. ومع حدوث موقف قوي ومفاجئ، قد يظهر السلوك العنيف بشكل يبدو اندفاعياً، لكنه في الحقيقة نتيجة تراكم طويل وصل إلى نقطة الانفجار.
العنف لدى المراهقين غالباً لا يكون وليد لحظة واحدة، بل هو حصيلة تجارب متراكمة لم يتم التعامل معها بشكل صحيح. فالتوتر الداخلي المتزايد نتيجة الإحباط أو صعوبة التعبير عن المشاعر قد ينفجر عند التعرض لموقف محفّز، مثل استفزاز مباشر أو شعور بالظلم.
أما العلامات المبكرة، فتظهر عادة عبر تغيّرات واضحة في سلوك المراهق، مثل زيادة العدوانية اللفظية، ضعف التعاطف مع الآخرين، الانسحاب الاجتماعي، أو الاهتمام غير المعتاد بالعنف وأفكار الانتقام. ويكمن الأهم في ملاحظة هذه التغيرات مقارنة بسلوكه السابق، وليس الحكم على موقف واحد فقط.
وفي ما يتعلق بتأثير العنف الرقمي، تشير الاختصاصية إلى أنه لا يعد سبباً مباشراً بمفرده، لكنه قد يعزز السلوك العدواني، خاصة لدى المراهقين الذين يعانون أصلاً من صعوبات نفسية أو اجتماعية. فالتعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يجعل هذا السلوك يبدو طبيعياً أو مقبولاً، ويقلل من حساسية المراهق تجاه معاناة الآخرين.
تلعب الأسرة والمدرسة دوراً محورياً في اكتشاف هذه التغيرات مبكراً. فالتواصل المفتوح داخل الأسرة يتيح للمراهق التعبير عن مشاعره، فيما تساعد المدرسة على رصد سلوكياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية. وعندما يتكامل دور الطرفين، يصبح التدخل أكثر سرعة وفعالية.
أما الوقاية، فتعتمد على بناء مهارات صحية لدى المراهق للتعامل مع مشاعره، مثل التعبير عن الغضب بطريقة سليمة، والتعامل مع الإحباط، وطلب الدعم عند الحاجة. كما أن وجود بيئة واضحة ومستقرة في القواعد يساهم في تقليل التوتر وتعزيز الشعور بالأمان، ما يساعد على الحد من تطور السلوك العدواني قبل أن يصل إلى مراحل خطرة.
موقع فوشيا


