«حزب الله» ومعادلة الردع الإيرانية

أبريل 20, 2026 - 08:09
 0
«حزب الله» ومعادلة الردع الإيرانية

 كتب جوني منير في "الجمهورية":

 ما من شك في أنّ طابع الغموض والمراوغة الذي تتقنه الديبلوماسية الإيرانية، والمواقف المتقلّبة والفجّة التي تطغى على السلوك السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، زادا من ضبابية المشهد وجعلا من الصعوبة بمكان التكهن مسبقاً بالوجهة التي ستسلكها الأحداث. لكن من الواضح أنّ كلا الطرفين يعمل على جعل خصمه يصرخ أولاً، من خلال الإعتماد على عامل الوقت والسعي لتوظيفه لمصلحة كل فريق. ولبنان الموجود في قلب هذه الحرب، يشكّل ملفاً تفاوضياً أساسياً، وفق ما أكّده الوسيط الباكستاني.

تعتقد الأوساط المراقبة، أنّ طهران نجحت في تعويض الورقة النووية التي حملتها في يدها لعقود عدة، بورقة ضغط جديدة لا تقلّ أهمية وخطورة، وهي ورقة مضيق هرمز، ولو أنّها مُنيت بخسائر فادحة بسبب الدمار الذي طاولها، والذي ستحتاج لفترة طويلة لتعويضها. لكنها قد تكون تسعى لإطالة أمد المفاوضات للتغلّب على المفاوضين الأميركيين، وسط الحصار الذي يعانيه ترامب جراء الضغوط الداخلية والخارجية على حدّ سواء، خصوصاً أنّ مهلة الـ60 يوماً المرتبطة بقانون «صلاحيات الحرب» تقترب من نهايتها.

 وخلال الأيام الماضية، عادت طهران لتضغط من خلال ورقة مضيق هرمز. وبخلاف ما أُشيع من أجواء تتحدث عن استعادة لغة الحرب، إلاّ أن التقديرات وضعت التصعيد الحاصل في إطار سياسة «عضّ الأصابع» وضغوط الحدّ الأقصى، ولكن تحت سقف مضبوط ومحدّد وليس الإندفاع في اتجاه الإنفجار الشامل، إلّا إذا حصل خطأ قد يُخرج الأمور عن السيطرة. فطهران لا تزال تراهن على الوقت لإنهاك خصمها، وهي التي تُمسك بورقة الشريان النفطي العالمي، وهي تراهن على الصمود لوقتٍ كافٍ بهدف إسقاط ترامب من الداخل. وواشنطن تحكم قبضتها على الساحل الإيراني، وهي تدرك أنّ الحصار البحري الأميركي سيشل على المدى الطويل لا بل سيدمّر الإقتصاد الإيراني المتهالك، وهو ما سيقوّض الركائز التي يقف عليها النظام القائم، ويفتح أمامه مخاطر كبيرة، بعد أن أدّت الحرب إلى تجديد شرعيته الداخلية. وهو ما يعني أنّ عنوان هذه الحرب، مَن يستطيع أن يتحمّل أكثر، ومن سيتراجع أولاً.

 يمثل مضيق هرمز مصدر القلق الأساسي للبيت الأبيض بسبب تأثيره على الإقتصاد العالمي. فكلما زاد أمد إغلاق المضيق زادت التكلفة السياسية التي يتكبّدها ترامب. ولا شك في أنّ طهران تراقب الحركة السياسية داخل واشنطن، وسط بدء ظهور انقسام داخل الحزب الجمهوري بسبب المخاوف بشأن طول مدة الحرب، في وقت يقترب موعد فتح صناديق الإنتخابات النصفية.

 وفي آخر استطلاعات الرأي لمزاج الشارع الأميركي، والذي نشرته مجلة «بوليتيكو» الأميركية، فإنّ نسبة التأييد للحرب الدائرة تراجعت إلى 38%. وإنّ نسبة 15% فقط تعتقد أنّ ترامب حقق أهدافه في إيران، في مقابل 40% يقولون إنّه إما لن يحقق أهدافه أو أنّه لا يملك أهدافاً واضحة على الإطلاق. هذا على المستوى الشعبي، أما على المستوى النخبوي، فثمة مخاوف عالية من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية لاستنزاف الترسانة الأميركية، ويلحق أضراراً بسمعة واشنطن الدولية. فطول أمد الحرب يعزز موقع إيران، ويخدم روسيا مباشرة كونه يؤدي إلى تراجع قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا.

 ويرتفع منسوب قلق المجموعات النخبوية الأميركية، ومعظم هؤلاء ينتمون أو يدورون في فلك الحزب الديموقراطي، من سلوك ترامب وشخصيته الصدامية. فوفق هؤلاء، فإنّ ترامب أقرب إلى نموذج الزعيم الذي يوسع معاركه بدل احتوائها، وهو ما فعله مع رأس الكنيسة الكاثوليكية ذات الثقل الرمزي الهائل. صحيح أنّ هذا النزاع قد لا ينعكس بخسائر فورية على القاعدة الصلبة لترامب، لكنه يفتح مساراً تدريجياً من التآكل السياسي، ما قد يؤدي إلى تراجع محتمل في دعم الناخبين الكاثوليك للحزب الجمهوري في الإنتخابات النصفية. ويشكّل الكاثوليك 22% من المواطنين الأميركيين، ثلثهم جمهوري، والثلث الثاني ديموقراطي، أما الثلث الأخير فهو يتأرجح في خياراته، ليشكّل فعلياً العامل المؤثر لنجاح هذا الفريق أم ذاك. ولذلك، ترى هذه المجموعات النخبوية، أنّ الأعباء تتزايد ولو أنّ آثارها قد لا تظهر فوراً، لكنه تراكم ثابت وبطيء وستظهر مفاعيله على المستويين الإنتخابي والديبلوماسي.

 لكن الجانب الآخر من المشهد لا يبدو أفضل، لا بل على العكس. فإيران الدولة تلقّت خسائر هائلة فاقت الـ270 مليار دولار وفق التقديرات الأولية، وهي خسائر تؤسس لاحتجاجات واسعة وربما اضطرابات داخلية في المستقبل، وتعاني من حصار بحري يحرمها من مدخولها الأساسي والقائم على تهريب نفطها، ويكلفها خسائر يومية بمئات ملايين الدولارات، في عزّ حاجتها لتمويل حربها. وتشير بعض المعطيات المتداولة، إلى أنّ واشنطن تتّجه الى تصعيد نوعي في تعاملها مع الصادرات النفطية الإيرانية، عبر خطة جديدة تستهدف توسيع نطاق العمليات البحرية لتشمل المياه الدولية، بدلاً من الإكتفاء بالمساحة التقليدية في مياه الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يصنّفه المراقبون بأنّه انتقال من سياسة الإحتواء والردّ الموضعي إلى استراتيجية أكثر شمولاً، تهدف إلى تضييق الخناق على ما تصفه واشنطن بشبكات الإلتفاف التي تعتمدها طهران لتصدير نفطها رغم العقوبات. وتتضمن الخطة اعتراض وتفتيش ناقلات نفط وسفن تجارية يشتبه بارتباطها بإيران، وتقويض ما يُعرف بـ«أسطول الظل».

 ولا تقف المسألة هنا، بل إنّ الدول الخليجية باتت في صدد إجراءات تحرّرها نهائياً من النفوذ الإيراني على مضيق هرمز. فالسعودية تعمل بصمت مع مصر على إقامة ممر لوجستي جديد يهدف لتأمين احتياجات الدول الخليجية من الأسواق العالمية. ويستخدم الممر موانئ السعودية على البحر الأحمر ومنها إلى موانئ مصر على البحر الأحمر ومن ثم على البحر المتوسط في اتجاه الموانئ الأوروبية والعالمية. ويقلّص الممر اللوجستي الجديد المسافة الزمنية وحتى التكلفة القائمة حالياً، وبالتالي فهو ينعكس انخفاضاً على الأسعار. عدا عن السعي لتوسيع قدرة الموانئ السعودية عند البحر الأحمر لتصدير النفط.

 ووفق هذه القراءة، يبدو واضحاً أنّ الوقت لا يلعب لمصلحة أي من الطرفين، ولو أنّ كل طرف يسعى إلى لي ذراع الآخر ودفعه للرضوخ أولاً. وقد تكون النقطة الأساس، أنّ طهران تريد ضماناً أميركياً ثابتاً بعدم تعرّضها لهجمات جديدة، بينما تريد واشنطن تغييراً جذرياً وسريعاً للسلوك الإيراني، لتصبح إيران على «تناغم» مع السياسة العامة الأميركية. وفي المناسبة، فإنّ الهدفين قد لا يتعارضان بل إنّهما قابلان للتكامل ولكن بعد تحديد الأثمان، وهنا يتركز الكباش التفاوضي الآن.

 عندما أشار الوسيط الباكستاني إلى أنّ لبنان كان البند الخلافي الأساسي بين واشنطن وطهران، فهو كان يشير إلى تمسك إيران بنفوذها على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، وهو ما ترفضه حكماً واشنطن وخصوصاً إسرائيل. وثمة إشارة ثانية حول تمسك إيران بتكريس نفوذها في لبنان، وهي بإلزام ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف الهجمات على لبنان «فوراً» بالتزامن مع إعلان فتح مضيق هرمز، قبل أن يُعاد إغلاقه مجدداً. وعلى رغم من إلحاح نتنياهو على إمهاله بضعة أيام لإنهاء معركة بنت جبيل، إلّا أنّ ترامب أصرّ بشدة، ما دفع نتنياهو إلى الإستجابة مرغماً. وتناقلت وسائل إعلام أميركية، أنّ ترامب استخدم مفردات حادة، وأنّ نتنياهو كان غاضباً. لكن الرئيس الأميركي حرص على إيجاد صيغة توحي بفصل المسارين اللبناني والإيراني، ومن هنا جاءت الدعوة لإطلاق الجلسة الأولى من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة. لكن طهران رفضت هذه الصيغة، وجاءت التجمعات الشعبية قبالة السراي الحكومي وفي شوارع بيروت وهي ترفع الأعلام الإيرانية بكثافة. والرسالة واضحة: نحن على استعداد للإطاحة بالمعادلة التي تمّ تكريسها في السلطة. لكن البيت الأبيض اندفع إلى الأمام في مسار منع طهران من استعادة نفوذها في لبنان، وهو ما دفع ترامب إلى الدخول مباشرة على الخط والإتصال بالرئيس اللبناني. وجاء بيان وزارة الخارجية الأميركية حول بنود وقف إطلاق النار بمثابة توجيه رسالة إلى إيران، بأنّ ورقة لبنان خرجت من يدها. لكن هذه البنود التي تمّت صياغتها على عجل جاءت مفخخة وهشة ووضعت مفتاحها بيد إسرائيل، وكتعويض عن وقف النار. لذلك جاءت الصيغة الضبابية لتعطي إسرائيل الفرصة لتغييرها في التوقيت الذي يناسبها. وفي المقابل، وبالتزامن مع إعلان طهران إعادة إغلاق مضيق هرمز، عادت وتحركت الجبهات القتالية في جنوب لبنان. فإسرائيل تريد إعادة تثبيت القواعد القتالية التي كانت قائمة سابقاً، و»حزب الله» يريد تغييرها وفي الوقت نفسه تأكيد الترابط القائم بين لبنان وإيران، وعلى أساس أنّ لبنان هو جزء من النزاع العريض القائم وليس جبهة مستقلة، وأنّ «حزب الله» يدخل ضمن معادلة الردع الإيرانية.

 وعمدت إسرائيل إلى تقسيم الجنوب إلى مناطق ثلاث: الخط الأحمر، والتي تشمل القرى الملاصقة للحدود والتي دُمّر معظمها. والخط الأصفر، وهو الذي يضمّ 55 قرية وبلدة، والتي يُمنع سكانها من العودة إليها، وهي تشكّل في المعنى العسكري المساحة الفاصلة عن استهداف المستوطنات الإسرائيلية بصواريخ الكورنيت. والخط الثالث، وهو خط الليطاني والذي تريد إسرائيل إخضاعه لمنطقة عملياتها العسكرية اليومية.

 وجاءت حادثة استهداف القوة الفرنسية العاملة ضمن قوات «اليونيفيل»، والتي أدّت إلى سقوط إصابات فرنسية بين قتيل وجريح، لتطرح علامات استفهام حول الرسالة المقصودة. لكن باريس هي من العواصم الغربية النادرة التي تحافظ على علاقة مباشرة مع «حزب الله»، وهو ما ينفي وجود رسالة سياسية، بمقدار الخلفية الأمنية للحادثة، والتي حاولت قيادة «حزب الله» التنصل منها ببيان رسمي. وقيل إنّ القرار العسكري في «حزب الله» يتحسس من العلاقة الجيدة القائمة بين القوة الفرنسية العاملة في اطار قوات «اليونيفيل» وبين الجيش الإسرائيلي. وبالتالي، فإنّها أرادت إبعاد الفرنسيين عن المناطق العسكرية لـ«حزب الله»، وعدم الكشف عن مصير مستودعات الأسلحة التابعة للحزب، والتي كانت قد قصفتها إسرائيل.

 التقارير العسكرية أشارت إلى أنّ الجهوزية العسكرية الإسرائيلية لا تزال في وضعها الهجومي، ما يعني أنّ نتنياهو قادر على استئناف الحرب التي يريدها الشارع الإسرائيلي فوراً ومن دون أي تحضير ميداني مسبق. لكن المناخ السياسي والتفاوضي هو الذي يتحكّم بالظروف العسكرية هذه المرّة. وهو ما يعني أنّ بنود الصفقة الموعودة هي التي تحدّد الوجهة الفعلية للأحداث.