ترامب عند مفترق النار: سياسة الحافة بين الوهم والانفجار

أبريل 16, 2026 - 14:18
 0
ترامب عند مفترق النار: سياسة الحافة بين الوهم والانفجار

 كتب باسم الموسوي: 

ليس من قبيل المصادفة أن يتحوّل الجدل حول دونالد ترامب إلى نقاش يتجاوز شخصه ليطال بنية التفكير السياسي التي يمثلها. فالمسألة لم تعد مرتبطة برجل بقدر ما هي مرتبطة بمنظومة كاملة تمزج بين العقيدة الأيديولوجية والحسابات الجيوسياسية، وتعيد إنتاج القرار السياسي بوصفه امتدادًا لرؤية شبه لاهوتية للعالم.

في هذا الإطار، أثار تصريح تاكر كارلسون—بما يحمله من شحنة رمزية ودينية—موجة من القراءات التي تحاول استشراف المسار المقبل. وبين المبالغة الخطابية والقراءة الاستراتيجية، يبرز سؤال جوهري: إلى أين يتجه ترامب في مقاربته للملف الإيراني؟

نحن أمام مفترق حاد، لا ثالث له. إما أن ينزلق المسار نحو اتفاق نووي جديد مع إيران، يتضمن رفعًا واسعًا للعقوبات وربما اعترافًا ضمنيًا بدورها الإقليمي، بما في ذلك تأثيرها على مضيق مضيق هرمز. وهذا الخيار، إن تحقق، سيُقرأ في تل أبيب وواشنطن على حد سواء كهزيمة استراتيجية، لأنه يكرّس إيران لاعبًا لا يمكن كسره بل يجب التعايش معه.

أو أن يسلك ترامب الطريق الآخر: طريق التصعيد. وهنا لا نتحدث عن ضغوط اقتصادية إضافية أو ضربات محدودة، بل عن انتقال نوعي نحو عمل عسكري مركّب—جوي، مظلي، وربما برمائي—يستهدف أحد الموانئ الإيرانية الكبرى، بهدف خنق القدرة التصديرية وإحداث صدمة سياسية للنظام. المؤشرات الميدانية، من حيث تزايد الحضور العسكري، توحي بأن هذا السيناريو ليس مستبعدًا.

لكن معضلة هذا الخيار تكمن في أنه لا ينتهي عند حد. فإيران، بخبرتها الطويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة، تمتلك ما يُعرف بـ“هيمنة التصعيد” (Escalation Dominance). أي أن أي خطوة تصعيدية ضدها تفتح الباب أمام ردود أشد، وبأدوات أوسع جغرافيًا. من الخليج إلى إسرائيل، وصولًا إلى الممرات البحرية الحيوية، يمكن للصراع أن يتدحرج سريعًا نحو حافة الاقتصاد العالمي.

المشكلة الأعمق أن الخيارات العسكرية نفسها تبدو محدودة الجدوى. فباستثناء الأهداف المدنية—التي يظل استهدافها مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا—لا توجد بنية هدفية سهلة داخل إيران يمكن أن تُحدث كسرًا سريعًا. هذا يعني أن الحرب، إن بدأت، ستكون حرب استنزاف، لا ضربة حاسمة. وفي مثل هذا النوع من الحروب، تميل الكفة غالبًا لصالح الطرف الأكثر قدرة على التحمل، لا الأكثر تفوقًا تقنيًا.

ثم هناك العامل الدولي. أي محاولة لخنق إيران عبر استهداف موانئها أو فرض حصار فعلي عليها ستضع الصين أمام اختبار استراتيجي مباشر. فإيران تمثل، في الحسابات الصينية، جزءًا من خط الدفاع المتقدم عن مصالحها الطاقوية والجيوسياسية. ومن هنا، فإن توسيع الصراع قد لا يبقى إقليميًا، بل قد يتحول إلى ساحة اشتباك بين قوى كبرى، حتى لو بشكل غير مباشر.

ولا يمكن إغفال الجبهة الأخرى المؤجلة: مضيق باب المندب. هذا الممر، الذي يتحكم بجزء حيوي من حركة التجارة العالمية، يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ورقة ضغط إضافية، ما يضاعف من هشاشة النظام الاقتصادي العالمي في حال اندلاع مواجهة مفتوحة.

في المحصلة، يقف ترامب أمام معادلة مغلقة: التسوية تعني تراجعًا استراتيجيًا، والتصعيد يعني انزلاقًا نحو صراع مفتوح لا يمكن التحكم بمساراته. إنها لحظة تَكشُف حدود القوة، لا إمكانياتها. لحظة تُظهر أن منطق الحافة—الذي بُنيت عليه سياسات السنوات الماضية—قد يصل إلى نقطة لا يعود بعدها ممكنًا التراجع.

ما يبدو مرجحًا، وفق هذا المنطق، أن خيار التصعيد سيغري صاحبه، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأكثر انسجامًا مع بنيته الفكرية والسياسية. لكن هذا الطريق، وإن بدا في بدايته استعراضًا للقوة، قد ينتهي بتعثّر كبير، ليس فقط لترامب، بل لمنظومة كاملة اعتقدت أن العالم يمكن إخضاعه بمنطق الصدمة.

أيار، في هذا السياق، لا يبدو شهرًا عاديًا. بل قد يكون لحظة اختبار كبرى، حيث تتقاطع الإرادات، وتُعاد صياغة التوازنات، على حافة هاوية لا يريد أحد السقوط فيها—لكن الجميع يقترب منها.