ضجة حول تفاوض في طريق مسدود
كتب رفيق خوري في "نداء الوطن":
"المحنة هي أم الحكمة" حسب مثل في ويلز. لكن في لبنان والمنطقة من تدفعهم الشعارات الكبيرة المستعارة من زمن مضى إلى التصرّف كأن الحكمة هي أم المحنة. فكلّما تراكمت المحن بفعل المصرّين على تكرار التجارب في استخدام قوّة عاجزة إلّا عن المجيء بالمزيد من المحن، لم يجد هؤلاء سوى التهجّم على أهل الحكمة والواقعية. وكلّما وجد لبنان بمساعدة أصدقائه بداية مخرج من مأزقه العميق، نشطت التحركات لإغلاق المخرج بأطنان من الحجارة الأيديولوجية.
وليس غريبًا في بیروت مشهد الاعتراض على أي فعل سياسي وطني لتفادي الانهيار تحت ركام المشروع الإيراني. الغريب هو الهرب من مواجهة جوهر الموضوع والاندفاع في مواجهة عوارضه. فلا المسألة هي التفاوض أو اللاتفاوض، المباشر أو غير المباشر. ولا الاعتراض على مفاوضات لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية سوى اعتراض على أية تسوية بحدّ ذاتها لكي يبقى لبنان ملعبًا مفتوحًا لإيران وإسرائيل في الصراع بين مشروع "إيران الكبرى" ومشروع "إسرائيل الكبرى"، وميدانًا يتصوّر "حزب اللّه" أن الكلمة له فيه.
ذلك أن المطلوب هو تجميد الزمن في لبنان لكي يبقى، ولو وحده، أسير مرحلة ما بعد حرب 1948 واتفاقات الهدنة، ومرحلة ما بعد الهزيمة القاسية في حرب حزيران 1967 ولاءات الخرطوم: "لا تفاوض، لا صلح، ولا اعتراف". لكن اتفاقات الهدنة انتهت بعد حرب 1976. ولاءات الخرطوم سقطت بعد حرب 1973 على جبهتي سيناء والجولان. مصر ذهب رئيسها إلى القدس واتفاق كامب ديفيد والسلام. منظمة التحرير قادها عرفات وأبو مازن إلى اتفاق أوسلو. الأردن وقّع معاهدة سلام. سوريا أجرت مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على مستوى رئيس الأركان ثم وزير الخارجية ونائب الرئيس برعاية الرئيس الأميركي. الإمارات العربية والبحرين والمغرب والسودان وقّعت "اتفاقات أبراهام". ولبنان فاوض إسرائيل مباشرة بعد الاجتياح برعاية وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز فكان "اتفاق 17 أيار" الذي سقط في تل أبيب ودمشق قبل بيروت. وفاوض مباشرة بعد مؤتمر مدريد في أعقاب حرب "عاصفة الصحراء"، وكان الوفد اللبناني برئاسة السفير سهيل شماس ومعه تعليمات محدّدة جدًا أيام الوصاية السورية: مماطلة، هرب من أيّ تفاهم على المسار اللبناني قبل الوصول إلى تسوية على المسار السوري. فما معنى تصوير المفاوضات التي كانت مبادرة من الرئيس جوزاف عون بأنها "خطيئة واستسلام وتنازل مجاني"؟ أليس رهانًا على استمرار المأزق اللبناني والحؤول دون بناء مشروع الدولة لکي تظلّ الفرصة مفتوحة أمام "حزب اللّه" لحرب الدفاع عن إيران والعمل من أجل مشروعها الإقليميّ على حساب الوطن الصغير؟
من المهم أن يتمكّن لبنان بمساعدة أميركا من التفاوض بنفسه بدل أن يكون ورقة إيرانية في التفاوض مع واشنطن، وبالتالي من فصل العمل لوقف النار هناك عن وقف النار بين إيران وكل من أميركا وإسرائيل. لكن نتنياهو ليس راغبًا في تسوية مع لبنان وسوريا تمنعه من حرية العمل العسكري والأمني في البلدين. فهو سارع إلى طرح موضوعين في المفاوضات قبل الاتفاق على جدول أعمالها في اجتماع يوم الثلثاء في الخارجية الأميركية بين سفيرة لبنان في واشنطن وسفير إسرائيل والسفير الأميركي في بيروت: سلام شامل وسحب سلاح "حزب اللّه".
والكلّ يعرف أن السلطة في لبنان لا تستطيع على افتراض أنها تريد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وليست قادرة مع أنها مصرّة على سحب السلاح الذي قرّرت أنه "خارج القانون" لأسباب معقدة في التركيبة اللبنانية. حتى وقف النار، إذا جرى الاتفاق عليه، فإن تطبيقه مستحيل في حال معاودة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بعد فشل محادثات إسلام آباد.
والصورة الأخطر والأسوأ للحياة والعالم هي التي اختصرها هيغل بالقول: "التاریخ للحروب وليس للسلام تاريخ". وهو الفيلسوف المؤمن بأن "التاريخ هو الحكم الأخير".


