التَّفاوُضُ عَلَى حافَّةِ النّارِ: قِراءَةٌ في المَشْهَدِ السِّياسِيِّ وَالدِّبْلُوماسِيِّ وَالأَمْنِيِّ وَمَآلاتِ الحَرْبِ

أبريل 10, 2026 - 09:52
 0
التَّفاوُضُ عَلَى حافَّةِ النّارِ: قِراءَةٌ في المَشْهَدِ السِّياسِيِّ وَالدِّبْلُوماسِيِّ وَالأَمْنِيِّ وَمَآلاتِ الحَرْبِ

كتب جميل معلم

لَيْسَ التَّوافُقُ عَلَى الذَّهابِ إِلَى التَّفاوُضِ بَيْنَ الإِسْرائِيلِيِّ وَاللُّبْنانِيِّ إِعْلانًا لِنِهايَةِ الصِّراعِ، بِقَدْرِ ما هُوَ تَحَوُّلٌ في شَكْلِهِ وَأَدَواتِهِ. فَالحُروبُ، حِينَ تَعْجِزُ عَنْ حَسْمِ نَفْسِها في المَيْدانِ، لا تَنْطَفِئُ، بَلْ تُغَيِّرُ لُغَتَها؛ تَنْتَقِلُ مِنْ هَديرِ المَدافِعِ إِلَى هَمْسِ الطّاوِلاتِ، وَمِنْ صَخَبِ النّارِ إِلَى بُرودَةِ الحِساباتِ. عِنْدَ هذِهِ العَتَبَةِ، يُصْبِحُ التَّفاوُضُ امْتِدادًا لِلصِّراعِ لا نَقيضًا لَهُ، وَتَغْدُو قِراءَتُهُ ضَرورَةً لِفَهْمِ ما يُبْنَى في الخَفاءِ أَكْثَرَ مِمّا يُعْلَنُ في العَلَنِ.

في البُعْدِ السِّياسِيِّ، يَشِي هذَا التَّحَوُّلُ بِحالَةٍ مِنَ "التَّعادُلِ القَلِقِ"، حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَيٌّ مِنَ الأَطْرافِ مِنْ فَرْضِ إِرادَتِهِ كامِلَةً، وَلَمْ يَعُدِ الاشْتِباكُ المَفْتوحُ مُجْدِيًا بِالقَدْرِ نَفْسِهِ. هُنا، لا يُفْهَمُ التَّفاوُضُ بوَصْفِهِ خِيارًا حُرًّا، بَلْ كاسْتِجابَةٍ لِضَغْطِ الوَاقِعِ وَتَوازُناتِ القُوَّةِ. وَيَغْدُو السُّؤالُ المَرْكَزِيُّ: مَنْ يُفاوِضُ مِنْ مَوْقِعِ الحاجَةِ، وَمَنْ يُفاوِضُ مِنْ مَوْقِعِ إِعادَةِ تَوْزِيعِ المَكاسِبِ؟

وَإِذا كانَ المَشْهَدُ السِّياسِيُّ يَبْدو مُرَكَّبًا، فَإِنَّ التَّبايُنَ الدّاخِلِيَّ اللُّبْنانِيَّ يُضِيفُ إِلَيْهِ بُعْدًا أَكْثَرَ حِدَّةً. فَمَوْقِفُ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ، في مَجْمَلِهِ، يَمِيلُ إِلَى التَّفاوُضِ بوَصْفِهِ أَداةً لِتَثْبيتِ الاسْتِقْرارِ وَحِفْظِ السِّيادَةِ ضِمْنَ أُطُرٍ دُوَلِيَّةٍ، وَيَسْعَى إِلَى تَجَنُّبِ الانْزِلاقِ نَحْوَ مُواجَهَةٍ شامِلَةٍ لا يَمْلِكُ مُقَوِّماتِها. في المُقابِلِ، يَتَعامَلُ حِزْبُ اللَّهِ مَعَ التَّفاوُضِ مِنْ مَنْظورٍ مُخْتَلِفٍ، إِذْ يَرْبِطُهُ بِمَعادلَةِ الرَّدْعِ وَتَراكُمِ القُوَّةِ، وَيَنْظُرُ إِلَى المَيْدانِ كَوَرَقَةٍ أَساسِيَّةٍ لِفَرْضِ شُروطٍ أَفْضَلَ عَلَى الطّاوِلَةِ.

هذَا التَّبايُنُ لا يَبْقى في إِطارِ الاخْتِلافِ النَّظَرِيِّ، بَلْ يَنْعَكِسُ عَمَلِيًّا عَلَى الدّاخِلِ اللُّبْنانِيِّ، حَيْثُ يَتَجَلَّى في تَبايُنِ الخِطابِ وَتَفَاوُتِ الأَوْلَوِيّاتِ. فَبَيْنَما تَسْعَى الدَّوْلَةُ إِلَى تَحْييدِ لُبْنانَ وَتَجْنيبِهِ كُلَفَةَ الحَرْبِ، يَرى الحِزْبُ أَنَّ تَثْبيتَ مَعادَلَةِ الرَّدْعِ هُوَ الضَّمانَةُ الفِعْلِيَّةُ لِحِمايَتِهِ. وَبَيْنَ هذَيْنِ المَوْقِفَيْنِ، يَتَشَكَّلُ وَاقِعٌ داخِلِيٌّ مَشْدودٌ، قَدْ يَتَرْجَمُ تَوَتُّرًا سِياسِيًّا أَوِ انْقِسامًا أَعْمَقَ في لَحَظاتِ الحَسْمِ.

أَمّا في الحَقْلِ الدِّبْلُوماسِيِّ، فَالصُّورَةُ أَكْثَرُ الْتِباسًا. إِذْ لا تَتَحَرَّكُ الوِساطاتُ الدُّوَلِيَّةُ في فَراغٍ، بَلْ ضِمْنَ شَبَكاتِ مَصالِحَ مُتَشابِكَةٍ، حَيْثُ تَتَقاطَعُ حِساباتُ القُوَى الكُبْرَى مَعَ أَوْلَوِيّاتِ الإِقْليمِ. لِذلِكَ، لا تَكونُ الدِّبْلُوماسِيَّةُ مُجَرَّدَ قَناةٍ لِنَقْلِ الرَّسائِلِ، بَلْ ساحةَ صِراعٍ ناعِمٍ تُدارُ فيها التَّوازُناتُ الدَّقيقَةُ. وَتَكْفي مُراقَبَةُ لُغَةِ البَياناتِ الدُّوَلِيَّةِ لاكْتِشافِ اتِّجاهِ الرِّيحِ: أَهِيَ لُغَةُ احْتِواءٍ وَتَبْريدٍ، أَمْ لُغَةُ إِعادَةِ صِياغَةٍ لِقَواعِدِ الاشْتِباكِ؟ كَما لا يُمْكِنُ فَصْلُ هذَا المَسارِ عَنْ مِلَفّاتٍ أُخْرَى تَتَداخَلُ مَعَهُ، ما يَجْعَلُ التَّفاوُضَ حَلْقَةً في سِلْسِلَةٍ أَوْسَعَ مِنْ إِعادَةِ تَرْتيبِ الإِقْليمِ.

غَيْرَ أَنَّ البُعْدَ الأَمْنِيَّ يَظَلُّ الأَكْثَرَ تَعْبيرًا عَنْ حَقيقَةِ المَشْهَدِ. فَالمَيْدانُ لا يَصْمُتُ أَثْناءَ التَّفاوُضِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِطابٍ مُوازٍ، تُكْتَبُ بِهِ الرَّسائِلُ بِالنّارِ بَدَلَ الحِبْرِ. كُلُّ خَرْقٍ أَمْنِيٍّ هُوَ وَرَقَةُ ضَغْطٍ، وَكُلُّ تَصْعيدٍ مَحْسوبٍ هُوَ مُحاوَلَةٌ لِتَحْسينِ مَوْقِعٍ عَلَى الطّاوِلَةِ. مِنْ هُنا، يُصْبِحُ فَهْمُ "سَقْفِ التَّصْعيدِ" مَسْأَلَةً حاسِمَةً: هَلْ هُوَ مَضْبوطٌ بِإِرادَةٍ دُوَلِيَّةٍ وَإِقْليمِيَّةٍ، أَمْ أَنَّهُ قابِلٌ لِلِانْفِلاتِ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِلالٍ؟

انْطِلاقًا مِنْ هذَا التَّشابُكِ، تَتَعَدَّدُ السِّيناريوهاتُ المُحْتَمَلَةُ لِمَآلِ الحَرْبِ. أَوَّلُها، تَثْبيتُ تَهْدِئَةٍ مَشْروطَةٍ، تُضْبَطُ فيها الحُدودُ وَيُؤَجَّلُ الانْفِجارُ. وَثانِيها، تَسْوِيَةٌ جُزْئِيَّةٌ تَفْرِضُ تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّةً مَحْدودَةً وَمَكاسِبَ سِياسِيَّةً مُتَواضِعَةً. أَمّا الثّالِثُ، فَهُوَ انْفِجارٌ مُؤَجَّلٌ، يَعودُ فيه التَّصْعيدُ بَعْدَ فَشَلِ التَّفاوُضِ، وَلكِنْ بَعْدَ إِعادَةِ تَمَوْضُعِ الأَطْرافِ وَتَحَضُّرِها لِجَوْلَةٍ أَشَدَّ قَسْوَةً.

في المُحَصِّلَةِ، لا يَكْفي الإِصْغاءُ إِلَى لُغَةِ الخِطاباتِ لِفَهْمِ ما يَجْري، بَلْ يَنْبَغي قِراءَةُ السُّلوكِ الفِعْلِيِّ لِلأَطْرافِ: أَيْنَ تَتَمَوْضَعُ القُوّاتُ، كَيْفَ تُدارُ العَمَلِيّاتُ، وَما الَّذِي يَتَغَيَّرُ في قَواعِدِ الاشْتِباكِ. فَالتَّفاوُضُ، في لَحْظَتِهِ الرّاهِنَةِ، لَيْسَ وَعْدًا بِالسَّلامِ، بَلِ امْتِحانٌ لِقُدْرَةِ الأَطْرافِ عَلَى إِدارَةِ الصِّراعِ دُونَ السُّقوطِ في هاوِيَةِ الحَرْبِ الشّامِلَةِ؛ امْتِحانٌ يَنْعَكِسُ، في لُبْنانَ، لا عَلَى الحُدودِ فَحَسْبُ، بَلْ في عُمْقِ الدّاخِلِ، حَيْثُ يَبْقى التَّوافُقُ الوَطَنِيُّ شَرْطًا أَساسِيًّا لِمُواجَهَةِ المَآلاتِ المَفْتوحَةِ عَلَى كُلِّ الاحْتِمالاتِ.