الاستشراق الجديد: كيف أعادت ما بعد الحداثة تمثيل الإسلام؟
قراءة تحليلية لكتاب The New Orientalists لإيان ألموند تكشف كيف أعادت ما بعد الحداثة إنتاج الاستشراق بصورة أكثر تعقيداً، عبر استدعاء الإسلام في الفكر الغربي من نيتشه إلى جيجك، بين نقد الحداثة وإعادة تمركز أوروبا.
كتب باسم الموسوي:
في كتابه اللافت The New Orientalists: Postmodern Representations of Islam from Foucault to Baudrillard، لا يقدّم إيان ألموند دراسةً عن الإسلام بقدر ما يقدّم تشريحاً لطريقة استدعائه في الفكر الغربي المعاصر. فالموضوع الظاهر هو الإسلام، لكن الموضوع الحقيقي هو أوروبا وهي تنظر إلى نفسها في مرآة هذا الإسلام، تستعمله أحياناً لتقويض حداثتها، وأحياناً لتجديدها، وأحياناً لتبرير أزماتها. الكتاب ليس دفاعاً عن الإسلام، ولا هجوماً مباشراً على مفكري ما بعد الحداثة، بل مساءلة دقيقة: هل تجاوزت ما بعد الحداثة الاستشراق فعلاً، أم أنها أعادت إنتاجه في صيغة أكثر رهافة وأقل صخباً؟
ينطلق ألموند من ملاحظة محورية: أن عدداً من أبرز فلاسفة وكتّاب ما بعد الحداثة – من نيتشه وفوكو ودريدا إلى بودريار وجيجك، ومن بورخيس إلى رشدي وباموق – استدعوا الإسلام في مشاريعهم الفكرية، لكن هذا الاستدعاء لم يكن بريئاً أو محايداً. لم يكن الإسلام موضوعاً يُدرس لذاته، بل رمزاً يُستخدم، صورةً تُستثمر، أداةً لتفكيك مركزية أوروبا أو لفضح تناقضاتها. وهنا تكمن المفارقة: فحتى حين أراد هؤلاء المفكرون نقد الغرب، ظل الإسلام لديهم مُدرجاً داخل أفق الخطاب الأوروبي، لا خارجَه.
في القسم الأول من الكتاب، يتتبع ألموند حضور الإسلام في مشروع نقد الحداثة. عند نيتشه، يظهر الإسلام بوصفه ديناً «مؤكِّداً للحياة»، على النقيض من المسيحية التي رآها ديناً للضعف والانحطاط. غير أن هذا الإسلام النيتشوي ليس إسلاماً تاريخياً أو لاهوتياً، بل صورة انتقائية، تُستخرج منها عناصر «الرجولة» و«القوة» و«القبول بالحياة» لتخدم صراع نيتشه مع المسيحية الأوروبية. الإسلام هنا ليس موضوع معرفة، بل سلاح جدلي.
أما فوكو، فتبلغ المسألة عنده درجة أكثر تعقيداً. فقد رأى في الثورة الإيرانية أفقاً روحياً خارج النموذج السياسي الغربي، وأبدى تعاطفاً مع ما سماه «الروحانية السياسية». غير أن ألموند يبيّن أن هذا التعاطف انطوى على قدر من الرومانسية، إذ بدا الإسلام في نظر فوكو مجالاً لإمكانية بديلة للحداثة، لكنه ظل يُقرأ من داخل أزمة أوروبا نفسها. إيران لم تكن عنده مجرد بلد يشهد ثورة، بل مختبراً لإمكانية فكرية جديدة تُواجه العقلانية الغربية. وهكذا يصبح الإسلام مرآة للغرب وهو يراجع ذاته.
وعند دريدا، يأخذ الإسلام موقعه داخل لعبة التفكيك والنصوصية، بوصفه جزءاً من إرث «أهل الكتاب». غير أن إدراجه في هذا الأفق الكتابي العام يذيب خصوصيته التاريخية والسياسية، ويعيده إلى ساحة التأويلات الأوروبية الكبرى. التفكيك، رغم طموحه إلى زعزعة المركز، يظل يعمل ضمن بنية خطابية أوروبية.
في القسم الثاني، ينتقل ألموند إلى الأدب، حيث تبدو الصورة أكثر مراوغة. عند بورخيس، يظهر الإسلام فضاءً متخيلاً للمتاهات واللانهاية والقدر. إنه شرقٌ رمزي، تتقاطع فيه العوالم والأساطير، لكنه يظل شرقاً أدبياً مُصاغاً داخل مخيال غربي. وعند سلمان رشدي، تتعدد «الإسلامات»: إسلام الأسطورة، وإسلام السياسة، وإسلام السخرية. غير أن هذا التعدد لا يُخرج الإسلام من كونه مادة سردية لإعادة كتابة الذات المهاجرة أو نقد السلطة الدينية. أما أورهان باموق، فيربط بين الإرث العثماني والإسلامي وبين شعور ميلانكولي بالانقسام، حيث تتحول الهوية الإسلامية إلى حزن حضاري يتأرجح بين الشرق والغرب.
القسم الثالث يركّز على مفكري النظرية المعاصرة، من كريستيفا إلى بودريار وجيجك. هنا يتخذ الإسلام دوراً رمزياً مضاعفاً: فهو أحياناً «الآخر» الذي يكشف هشاشة النظام العالمي الليبرالي، وأحياناً «العقدة» التي تعيد إحياء إرث هيغل في فهم التاريخ والصراع. غير أن ألموند يُظهر أن هذا الاستخدام، مهما بدا راديكالياً، يبقي الإسلام داخل أفق السؤال الأوروبي: إما بوصفه تحدياً للنظام، أو علامة على أزمته، أو تجسيداً لطاقته العنيفة.
الأطروحة التي تتبلور عبر هذه القراءات ليست اتهامية بقدر ما هي تحليلية: ما بعد الحداثة، رغم نقدها للمركزية الأوروبية، لم تُنهِ «اللعبة الأوروبية»، بل نقلتها إلى طور جديد. لم يعد الإسلام يُقدَّم بوصفه متخلفاً أو متوحشاً كما في الاستشراق الكلاسيكي، بل بوصفه مخزوناً رمزياً يُستدعى لإعادة تعريف الذات الغربية. غير أن هذا الاستدعاء نفسه يظل حركة أوروبية في جوهرها.
تكمن قوة الكتاب في أنه لا يقع في ثنائية تبسيطية بين «استشراق سيئ» و«نقد غربي جيد». بل يبيّن أن الخطابات الأكثر نقداً للحداثة قد تحمل، في طبقاتها العميقة، بقايا من البنية الاستشراقية نفسها، وإن جاءت في هيئة أكثر تعقيداً. وهكذا يغدو السؤال الذي يطرحه ألموند أوسع من موضوع الإسلام ذاته: هل يمكن نقد المركز من دون إعادة إنتاجه؟ وهل يستطيع الغرب أن يتجاوز ذاته حقاً، أم أنه حين يحاول ذلك، يعيد صياغة الآخر داخل حدوده؟
بهذا المعنى، لا يقدّم The New Orientalists دفاعاً عن الإسلام، ولا إدانة للفكر الغربي، بل دعوة إلى قراءة متأنية للعلاقة المتشابكة بين نقد الحداثة وتمثيل الآخر. إنه كتاب يذكّرنا بأن تفكيك المركز لا يكفي، ما لم يصاحبه وعيٌ نقدي بالطريقة التي يُستدعى بها «الآخر» في هذا التفكيك. وفي عالمٍ لا يزال فيه الإسلام حاضراً في الخطاب العالمي بوصفه إشكالية سياسية وثقافية وفلسفية، تبدو هذه المساءلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.


